يسوقك المشهد الراهن في متحف أوجين دولاكروا في الحي السادس بباريس إلى الزمن الماضي الذي تهرب منه إليه كعربي، مسحورا بملابساته وحائرا في اقتفاء عباءته دون أن تكون طريد فكرة الخيبة.
مواد خزفية وجلدية، ملابس مغربية، آلات موسيقية، خناجر وأدوات قتال، وأغراض احتفظ بها الفنان الفرنسي المستشرق أثناء رحلته إلى المغرب سنة 1832، وجسدت مصدر الإلهام للوحاته ومنحوتاته الاستشراقية مثل لوحات "قائد مغربي" و"حارس مغربي للإمبراطور"، و"خطيبة أبيدوس" وتفاصيل تعبق رائحتها في المجموعة الدائمة للمتحف منذ 1952 وتزكم أنفك ولعا بروائح القرفة والتوابل والحكايات المغربية الأثيرة.
هنا تقرأ قصة طنجة.. أسواقها، عمارتها القديمة نساءها، أعراسها، موسيقاها، هواءها، خيولها العربية، الحارة، فرسانها، حراس الملك ناسها البسطاء، والتشكيل الحي لحياة كانت تغوي معظم فناني ومستشرقي أوروبا في تلك الفترة، وأحيانا، حتى اللحظة.
المعرض الذي انطلق قبل أيام تحت عنوان "أشياء في الفن التشكيلي، تذكار من المغرب" يضيء على تلك الغواية التي فتنت الأب الروحي للاستشراق الفني في فرنسا وحولت افتتان الفنانين الرومنطيقيين بشرقنا إلى شغفٍ حقيقي. وهي غواية نسبت إلى القرن التاسع عشر إلا أنها بدأت، حسب مؤرخين، قبل ذلك بكثير، ومن ملامحها حملة نابليون بونابرت على مصر عام 1798، التي ضمّت مئة وسبعة وستين عالماً ورساماً، منهم الفنان فينسان دونون الذي رسم معالم فرعونية كثيرة أثناء هذه الرحلة، وشامبوليون الذي فك أسرار اللغة الهيروغليفية.
ثم بعد تستمر الغواية مع فنانين مثل لويس دوفوربان الذي رسم لوحة "القدس"، وبيار بريفوست صاحب لوحة "مشهد شامل لإسطنبول من برج غلَطة".
ثم رائد الاستشراق ألكسندر غابريال دوكان الذي سرق أضواء هذه الفتنة الشرقية من دولاكروا بعد سفره إلى إسطنبول وأنقرة وعودته إلى فرنسا محملا بالمشهدية البصرية التركية الآسرة، دون أن ننسى الرسام بروسبير ماريلا، التائه ولعا بين اليونان وسورية ولبنان وفلسطين ومصر.
لقد أدى الاستشراق الفني كواحد من أوجه الحالة الاستشراقية إلى تعريف الغرب بالشرق وربما الشرق بالشرق، ورغم المثالب التي أخذها البعض عليه، كذاتية النظرة لدى الفنان المستشرق وتشويهها لصورة العرب والإسلام بل حتى "عنصريتها" أحيانا حسب البعض، إلا أنه لا يمكن إنكار دوره في تشكيل التيارين الرومنطيقي والرمزي في أوروبا، وفي تشكيل وعي غربي حول الثقافة العربية.
وبالعودة إلى معرض دولاكروا الذي تستضيفنا الأنفاس الحارة للوحاته المحملة بسحر الشرق ومغربه حتى فبراير المقبل، أستذكر ما قاله ذات يوم لدى وصول سفينته أمام مرفأ طنجة: "شكل هذه المدينة أثار فيّ شعوراً كبيراً بالفرح، أشعر بالحاجة إلى عشرين يدا وإلى 48 ساعة في اليوم كي أعطي فكرة عما أراه".
ويخطر لي هنا أن أسأله وأنا أقف أمام واحدة من أجمل لوحاته "فنتازيا طنجة":
"آآآه يا عزيزي دولاكروا، لو أنك كنت حيا حتى اليوم، هل كنت سترسم مشاهد الموت في فلسطين والعراق، أم مجزرة الكيميائي ومخيمات اللجوء للسوريين؟ أم كنت ستصور دولة الخلافة الداعشية وسباياها المعروضات في الأسواق؟!
عزيزي دولاكروا، عليك أن تشكر الله لأنك لم تبق حيا كي تشهد هذه الفظاعات في الشرق الجميل، ولو كنت حيا لسقطت أصابعك العشرة.. سقطت من تلقاء نفسها قبل أن تلتقط ريشتك المفتونة بشرقنا.