في يوم 19/ 11/ 2011، وقبل أن تشرق الشمس، كانت ريم قد استيقظت، سرحت شعرها للمرة الأخيرة، وابتسمت لمرآتها للمرة الأخيرة أيضا، ثم لخمسة وعشرين عاما بأحلام صغيرة تخبئها في قلبها الغض معقودة بخطط صغيرة عن مستقبل واعد، تكون فيه المعلمة الأبقى في ذاكرة طالباتها وأحلام شخصية، أكثرها بهجة غرفة خاصة بستائر وردية تخفي نافذة تطل على الأمل، وحلم أكثر مسؤولية عن بيت يتسع لخمسة إخوة ووالد مريض وأم تصلي ليحفظ الله ريم ويعينها على واجبها.
في سقف العالم، كنت أنا أقف في المحطة، أنتظر الباص أخبئ كفي في جيبي معطفي وأمامي لوحة لطفلة تطارد غيمة رسمها "بانكسي" على جدران مدينته "بريستول" كنت حيث تقف في اللحظة نفسها ريم، أشعر ألا أمل حقيقي، وأتساءل ماذا أفعل بعد الدكتوراه وأنا محملة بخيبات مقاومة التغيير التي يمارسها أعداء الإصلاح في وزارة التربية والتعليم.
في جدة، ركبت ريم السيارة التي تتقاسم راتبها مع صاحبها، وعلى شفتيها ابتسامة يعرفها المعلمون وتزين شفاههم عندما يخططون لدروسهم جيدا، وتساعدهم ظروف الحياة على تجهيز ما يلزم لدرس ما، يوقنون في داخلهم أن اتقان تقديمه سيصنع إنسانا يهدي المستقبل للوطن.
لم تعرف مطلقا أن درسها الحقيقي الذي ستقدمه سيحوي آلاف الدروس الإجرائية وملايين الأهداف الوجدانية، ليس لصغيرات روضة براعم الأطفال، بل للعالم الذي لا يعرف "أبلة" ريم النهاري.
ريم في جدة، وفي المدرسة الأهلية فرصتها الوحيدة لممارسة العمل الذي تحب بغض النظر عن الراتب الضئيل والمجهود الشاق، وهو أن تكون معلمة. تفكر كل يوم في درسها: التمهيد، التشويق، الأسئلة، الأنشطة، التقويم، وهدف وجداني يجب أن يحملهن على تغيير سلوكهن، لكنها لم تفكر مطلقا في أن درسها يوم الحريق الذي ستقنعهن بإجادته واحدة تلو الأخرى هو القفز من الدور الثالث.
اثنتان وعشرون تلميذة ستلقيهن هي بعد أن تمنح كل واحدة منهن دقيقة إقناع بأن عليها أن تطيع "أبلة" ريم هذه المرة، كما لم تفعلمن قبل.
انحنت على أولاهن وأخبرتها أنها الأشجع وأنها ستنجو لتقفز ويقفزن، وتنجو قلوبهن الصغيرة وتبقى ريم النهاري وحدها في الأعلى.
قالوا لم يكن هناك وقت، ولم تكن لديها طاقة، وربما لم يكن هناك أحد يدفعها للقفز جيدا لتقفز بطريقة خاطئة لأول مرة، وتنتهي بها حياتها.. ربما رأت الجنة أو أيقنت أن فصلها الصغير وتلميذاتها نجحن بمتياز وتجاوزن الحريق للحياة.
كنت تركت جدة وتعليمها، وفي داخلي حزن الأرض. ليست الدكتوراه دائما خيارا جيدا، خاصة وأنت تشعر بأن رحمة الله فقط هي التي تمنع كوارث شتى من أن تقع، فرغم ما تدفعه الحكومة، كان كل تقدم وكل عمل مجرد مظهر يخفي آلاف الأخطاء، وتذهب ضحيتها عقول أجيالنا، لكن لم أتوقع أن تصبح الأخطاء خسارة في الأرواح، خاصة روح كروح ريم.
كم فتاة عظيمة كانت ستخرج من تحت يد المعلمة الرائعة ريم النهاري؟
رحيل ريم مر، ومعه عاصفة من الحزن والتساؤلات والإدانات، ولا أظن أن حق ريم وزميلتها غدير كتوعة وسوزان الخالدي رحمهن الله، أُخذ، وإن اختفى من التعليم ثلاثة قياديين قد نحملهم مسؤولية ما حدث، لكنهم الآن يتحملون مسؤوليات أخرى دون ورقة إدانة واحدة للأسف.
الشيء الأكثر إثارة للحزن، أن ريم النهاري وزميلتها، لم يحظين بتكريم حقيقي، كتسمية مدرسة في قرية ريما الجيزانية باسمها مثلا، أو شارع في جدة قريب من موقع الحريق، بل لم تحظ بإذاعة مدرسية تخبر من يجهلهن عنهن في ذكرى يوم رحيلهن يجدن فيه دعوة "الله يرحمكن".
في البلاد المتقدمة، أي عمل إنساني، حتى لو كان إنقاذ قطة، يحظى باهتمام الإعلام، وتقام حفلة تكريم لصاحبه لزيادة أثر العمل الإيجابي فكيف ببطولة هذه الفتاة؟
إن الأثر الذي سيحدثه تناول سنوي لعمل ريم، سيدفع المعلمين والمعلمات للشعور بجدوى أعمالهم، وأنه لا أحد سينساهم، وكما أضاؤوا قاعات الدرس، ستضاء ساحات المدرسة بذكرهم.
كما أن الطلاب والطالبات سيرون تجربة حقيقية لإنكار الذات وتقديم الآخر على النفس، ويزيد احترامهم لمعلميهم، وبالتالي يزداد الاستعداد للتلقي من معلميهم ومعلماتهم.
هل ستذكر الوزارة "ريم" العام القادم، وترسل تعميما لجميع المدارس، بذكرها في الإذاعة المدرسية.. هل ستخبر تلاميذها أن معلميهم يحبونهم كثيرا لدرجة أن روح "أبلة" ريم ذهبت لأجلهم. أتساءل؟