يروي لي الزميل الشاعر، أحمد التيهاني، ليلة احتفاء أبها وكل عسير بيوم الوطن، عن شوارد شبابية في غارات سطو على الأعلام السعودية من سواري الاحتفال وأطراف ساحة أبها الشعبية. وبالنسبة لي، فهذا من السطو المحمود ودعونا نفرح بهذا العلم السعودي ـ الرمز ـ محمولاً بسواعد الشباب، محتفين ومحتفلين به بعد أن ظل هذا العلم العملاق رهين السواري طويلاً، وحتى كثير من المدارس ومن إداراتنا الرسمية كانت تضن عليه حتى لمجرد الرفع فوق سارية. وفي ليلة أبها التاريخية في يوم الوطن لم يكن أمامي بأجمل من منظر إلا أرتال هؤلاء الشباب وهم يتفنوَّن في الاستعراض بلوني وطنهم وعلمه وملكه ومؤسِّسه ويتبارون في كتابة الجمل: ثمانون عاماً وأنت وطن. كانت ليلة من البرهان الدافع على سقوط كل من سعى لإسقاط وطن. يقول لي صاحب المكتبة الذي ألفت وجهه لأكثر من عقد من الزمن: كنا حتى ما قبل ثلاثة أعوام لا نشتري الأعلام لأن العام كاملاً يمر بلا زبون واليوم أبيع منها في ليلة واحدة ضعف مدخولي في شهر. شكراً لأمير المنطقة الذي كان في يوم الوطن أول الحضور ورأس الداعمين الذي تكفل وحده بكل تكاليف الاحتفاء بيوم الوطن. شكراً للجنة التنظيم التي قدمت احتفالاً يليق بثلاثمئة عام من الوحدة وبثمانية عقود من يوم الوطن الأول. شكراً لأهالي عسير الذين أحالوا الساحة الشعبية إلى حالة احتفال وعيد سيظن من شاهدها أنها لن تتكرر. شكراً لهذه اللحمة الوطنية الفريدة التي يرقص فيها المئات بالسلاح قبل القوام بين يدي مندوب الأسرة الحاكمة وأمير المنطقة في رسالة عفوية تقول: هذا هو الأمن الاجتماعي النادر بين المحكوم والحاكم. شكراً لمئات العائلات التي احتشدت في كل أرجاء الساحة الشعبية حين كانت كل العيون تلتفت إلى الصورة الأكبر: إلى عيون الإمام المؤسس. شكراً لكل التفاصيل. من عيون طفل مازالت تتعرف بفطرة الطفل إلى عنوان وطن. من وجه الشاب الصغير الذي انقسم إلى لونين، وفقط إلى لونين ولن يصبغ له أحد بعد اليوم لون هوية ثالثا. من حزام شيخ القبيلة (الأشهر) وهو يأتي مستنداً إلى خنجر كانت حزام أبيه في سنوات التأسيس والفتح. من قامة رئيس لجنة الأهالي وهو يسرد تاريخ عسير من الدولة السعودية الأولى حتى يوم الوطن الأخير في كلمة مختلفة. هذا هو الوطن الذي نريد. ثمانون عاماً وهو الوطن الذي يحتفي لا بالاستقلال بل بالوحدة. وطن لم يمد يده لغيره حتى في سنوات الخوف والجوع ولن يمدها طالما كانت السواعد تحمل هذا العلم بمثل ما شاهدت.