في ظل العنف المستشري في بنغازي، وما يشبه الحرب الأهلية الدائرة في العاصمة طرابلس، وبعد انتخاب مجلس نواب جديد في طبرق، قد يبدو أن مستقبل ليبيا يُرسم في مدنها الساحلية. إلا أن الأحداث في جنوبي البلاد قد تترك آثاراً كبيرة على الديناميكيات السياسية في البلاد من الآن فصاعداً. ولشرح أسباب تلك الأحداث نشر "منتدى فكرة" مقالاً تحليلياً، بتاريخ 18 سبتمبر الحالي، للمحلل المختص في سياسات شمال أفريقيا، أندرو وايت، عدد فيه الأسباب على النحو التالي:

أولاً، يقع نفط ليبيا بشكل أساس في الجنوب، ومع ذلك يدّّعي عمال حقول النفط أن المنطقة لم تحظ بحصة منصفة من العائدات. وتبدو ادعاءاتهم مبررة نظراً إلى وضع البنية التحتية والخدمات العامة المزرية في الجنوب، بالإضافة إلى سنوات من الاضطهاد التي طالت السكان غير العرب خلال حُكم الرئيس السابق معمر القذافي. وهناك إمكانية لخفض وتيرة الإضرابات التي يقوم بها العمال والتي لا تزال تترك آثاراً سلبية على اقتصاد البلاد من خلال قيام الحكومة المركزية بمعالجة بعض المطالب المحلية. ولكن حتى قبل الأشهر الأخيرة التي شهدت اضطرابات، لم يُظهر المسؤولون الحكوميون أي رغبة في اتخاذ خطوات فعالة لمعالجة هذه المسألة. قامت شخصيات سياسية وطنية بزيارة الجنوب للمساعدة في فك الإضرابات في حقول النفط وخطوتهم هذه بينت بوضوح أن ما يحدث هناك يشكل مشكلة ذات أهمية، لكن الحل لا يزال غير واضح.

ثانياً، أن المعارك السياسية الدائرة في المدن الساحلية وصلت إلى الجنوب أيضاً. فلقد قدِمت ميليشيات "مصراتة" و"الزنتان" إلى الجنوب على أمل زيادة شعبيتها ونفوذها إذ يُمثل توسيع النفوذ في الجنوب مكاسب عدة بارزة لهذه الميليشيات؛ فقد يمنحها التمدد المزيد من النفاذ والسيطرة على المنشآت النفطية، بالإضافة إلى مكاسب اقتصادية وسياسية. كما أن المشاركة في الشؤون الجنوبية قد يُعطي انطباعاً بأنهم مجموعات ذات شرعية وقادرة على بسط الأمن. ومع أن المواجهات في طرابلس تبدو أكثر إلحاحا الآن، إلا أن تعزيز الشرعية الوطنية يُعد أمراً مهماً على المدى الطويل. في السياق نفسه، ونظراً لعدم انضباط الحدود الجنوبية ونمو التجارة غير الشرعية التي تشمل المخدرات والأسلحة والبضائع المختلفة الأخرى، تمثل المنطقة مصلحة كبرى للمجموعات المتطرفة.

ثالثاً، قد يؤثر عدم الاستقرار في الجنوب على شمال ليبيا، وسبها هي المدينة الجنوبية الأكثر عرضة لاندلاع العنف فيها نظراً إلى حجمها وتنوع سكانها. لا تزال المدينة هادئة حتى الآن بفضل وجود "القوة الثالثة،" وهي جزء من الميليشيا المركزية لـ"درع ليبيا"، والتدخل المستمر من شيوخ المجتمعات المحلية. وكذلك، تعمل الميليشيات المحلية وبشكل كبير على إبقاء الوضع الأمني تحت السيطرة في المدن الكبيرة مثل أوباري ومرزوق وغات، على الرغم من تصاعد وتيرة العنف من حين لآخر. ونتيجة لذلك، سيبقى الجنوب مستقراً أكثر من مناطق عدة أخرى في الشمال في الوقت الحاضر والمستقبل القريب. قد يكون الجنوب المنطقة الفضلى في ليبيا لبدء عملية إرساء الديموقراطية، علماً بأن نسبة العنف وعدم الاستقرار فيه تعد أقل من تلك التي تشهدها مناطق أخرى.

لكن هناك أخطار محدقة باستقرار الجنوب. فعلى سبيل المثال، ورد أن سكان قبيلة "التبو" العرقية في المنطقة قاموا منذ الثورة بتأسيس سيطرة قوية على مسالك التهريب. وإذا قاموا بعملية منسقة للسيطرة على مدينة سبها، أو إذا تزايد العداء بين التبو وجماعات أخرى، فقد يؤدي هذا الأمر إلى اضطرابات كبيرة قد تدوم لفترة طويلة في الجنوب. وفي حين أن شمال ليبيا وجنوبها لا يزالان مقسمين لأسباب متعددة، بما في ذلك مسألة الجغرافيا، والفروقات الثقافية، والتحيزات العرقية، إلا أن الأحداث في الجنوب لها تبعات على صعيد الوطن. فقد تصبح البنية التحتية النفطية مهددة، كما يمكن للاعبين في المناطق الساحلية أن يضاعفوا جهودهم لتأسيس وجود لهم في المجتمعات الجنوبية، من خلال تأسيس وجود لهم في حقول النفط مثلاً، فيما قد يطلق اشتراك مجموعات محلية بالتجارة غير المشروعة شرارة نزاع مطول في المنطقة. وفي كل الحالات، يبرز الجنوب كعنصر أساس لاستقرار مستقبل ليبيا.