عندما يبدأ موسم الأمطار عندنا نأخذ في التوجس وانتظار الحوادث الموسمية المعتادة:
غرق غير مفاجئ لعدد من الأرواح التي تعمد للسباحة في مياه الأودية باستهتار واضح ثم يتبعه استدراج للإنقاذ، ويتبعه غرق متتابع وحزن متكرر لا لشيء إلا لأننا لا نتعلم من الدروس المستعادة في كل عام.
وهكذا لم نعد نفرح كثيراً بالأمطار لما صارت تجره علينا من الأحزان، وبالمقابل تتكرر حوادث السيول والانهيارات الصخرية لكثير من المشاريع الأسفلتية مما يعكس استهتاراً من منفذي هذه المشاريع، لأن المقاول المنفذ إما أن يكون قد أمن العقوبة فأساء العمل أو لأن العقوبات أحياناً رمزية وبائسة بما يجعل المقاول يقدم على الغش لأن هزالة العقوبة لا توازي الأرباح الهائلة التي يقتصها من كلفة هذه المشاريع، إلى جانب ذلك كله فإن موسم الأمطار صار يشكل رعباً سنوياً لأهالي جدة لأن مجيئه ولو بكميات معقولة مقارنة بمعدلات المطر عالمياً، يقلب ظهر المجن على سكان هذه المدينة فيجرف سياراتهم ويهدم عشوائياتهم، وينصب المصائد والحفر لكل العابرين في شوارعهم.
لقد صارت سيول جدة "تسونامي" حقيقيا يثير المخاوف وينبت الأحزان لكننا مع ذلك كله ما زلنا نعيد ونكرر أسطوانة التشاكي والتباكي على كل ما يحدث في مناحة موسمية، لكنها - المناحة - لا تقدم ولا تؤخر ولا تغير في الأمر شيئاً، فكل ما بني على باطل فهو باطل، فبعض مشاريع جدة بُنيت على مواقع ستظل تشكل خطرا محتدما، فقد تجذر الفساد في بنية جدة التحتية خلال العقود الماضية، وصارت كل الحلول التالية مجرد ضمادات ومسكنات لكنها لا تعالج أصل المرض الذي انتشر وخيم واستوطن.
إن كل محاولات الإصلاح التالية عاجزة في ظني عن الحل الجذري لمشكلة جدة، لأنه قد تم في فترة سابقة سفلتة الشوارع ورصفها في مخططات منح عقارية أنشئت في بطون الأودية ومجاري السيول ومهابط الأمطار، ولم يعد ممكناً تلافي هذه الأزمة الأزلية إلا باجتراح لبعض الحلول الهندسية التي يمكن من خلالها إقامة الجسور المعلقة فوق هذه الأودية والتوقف عن الحلول السنوية الموقتة التي تسكن العرض ولا تعالج المرض.
وإذ نتحدث هنا عن جدة كأنموذج صارخ للفساد وقلة "الأمانة" التي تسببت في هذه المشكلة الموسمية إلا أننا ندرك أن أيدي الفساد الطويلة قد مدت أذرعها وبسطت أشرعتها في مدن أخرى من وطننا العزيز، وهذا هو ما نلحظه في بعض المدن من تجريفات وانهيارات وغرق وغمر للطرق في كل موسم مطري، هذا رغم معدلات الأمطار المتدنية عندنا لكننا تساهلنا في مواجهة الفساد ومعاقبة المفسدين والمرتشين وقدمنا الواسطة والمحسوبية على مصلحة الوطن والمواطن، فخرج لنا هذا النتاج الذي هو محصلة لضعف تطبيق النظام وإيقاع العقوبات على المفسدين وإشهار ذلك أمام الملأ ليتحقق الانضباط ويستتب الأمن الاجتماعي.