لم يكن غازي القصيبي، رحمه الله، إلا صاحب رسالة خير ومحبة وهو يصف بلسان بطل روايته زهايمر "يعقوب العريان"، هذا المرض الذي أفقده ذاكرته ومعها الأسماء التي يحبها والأماكن التي يعشقها.. ليفقد بعدها ابتسامته.

نعم أجاد مفكرنا الكبير وصف الزهايمر اللئيم الذي يقف حاجزا بين من نحب وذكرياتهم وذاكرتهم، حتى يكاد يفقدهم القدرة على الاستمتاع بالحياة.. لا سيما وأنه داء يصيب المخ ويتطور ليفقد الإنسان ذاكرته وقدراته على التركيز، ناهيك عن تغييرات في شخصيته من عصبية أو هلوسة، لذا كانت الرسالة الأهم من لدن المعنيين بهذا الداء أن لا علاج إلا الرعاية الكاملة، وعليه وفيه لا بد من أن تنشط جهات المجتمع للوقوف أمام الزائر الخطير لكثير ممن نحب، لا سيما وأننا ننتمي لمجتمع من النادر أن يقذف أبناؤه وبناته بآبائهم إلى المحاجر ودور الرعاية الصحية، لذا احتجنا بشدة إلى ثقافة العلم بالزهايمر ومعرفة كيفية التعامل معه.

والسؤال المطروح: هل فعلنا ذلك؟ قبل الإجابة وجب أن نشير إلى أن معرفة المجتمع بهذا الداء كانت ناقصة وقاصرة في ظل أن الجميع كان يعتقد أن خرفا ونسيانا يأتيان كحالة طبيعية لكثير من كبار السن، ولم نكن نعلم أن داء يفرز ألما ومكابدة يصاحبان هذا الأمر، في ظل أن المعنيين من فرط معاناتهم لا يلوون على الشكوى مما هم فيه.. ولكن بعد أن قيض الله لهذا المجتمع جمعيات النفع والخير، كما هي الجمعية السعودية لمرضى الزهايمر، بدا أننا أصبحنا نتلمس الأمر ونهتم به ونعرفه.. ومع ذلك فإننا لم نفعل ما يشفع لنا للوقوف بقوة ووعي كامل أمام هذا الداء.

فمن خلال جمعية الزهايمر كان العمل مكتملا ولا أدل على ذلك من المؤتمر العالمي الذي تنظمه هذه الجمعية ويختتم اليوم في الرياض.. لتكون مشكلة هذه الجمعية المتطلعة إلى تقديم كل العون للمصابين بهذا الداء وهي تفعل ذلك من خلال متطوعين ومتبرعين لا يرجون إلا وجه الله سبحانه. إن مؤسساتنا الحكومية المعنية بالأمر تقف موقف المتفرج أمام هذا الداء وكأنها غير مسؤولة عن إيقاف سرعة انتشاره، تاركة الجمل بما حمل على الجمعية وأعضائها بما يبذلونه من جهد ومال.

وما نعلمه في المجتمعات المتقدمة أن المنظمات الخيرية غير الحكومية التي تعنى بأعمال اجتماعية مفيدة تحظى باهتمام ودعم من قبل الحكومات ووسائل الإعلام في البلدان المتقدمة، وهي تشكل الإطار المؤسسي والوعاء التنظيمي وبرامجها ومؤتمراتها ميسرة والكل يسعى إلى إنجاحها، لكن لدينا، ومن خلال ما نسمعه ونقرؤه من المعنيين بالشأن الخيري، سوء الدعم وضعف التسهيلات، بل وتعطيل برامجهم وهو أكثر ما يجدونه من المؤسسات الحكومية المعنية، حتى إن أحدهم صرح لي مجاهرة بقوله: "نخشى أن يرمي أولئك المتطوعون بمالهم ووقتهم بأوراقهم ويرحلوا عن العمل الخيري من فرط بيروقراطية حكومية مضرة"!

جميل القول إن دعم وتشجيع مثل هذه الجمعيات الراقية الفاعلة المفيدة للمجتمع عمل حضاري ويدل على وعي أصحاب الشأن والقرار في الجهات الحكومية المختلفة. والأهم نتمنى على قيادتنا الرشيدة أن يكون هناك قرار نافذ إلى الوزارات المعنية، بتسهيل كل ما تحتاجه تلك الجمعيات الخيرية التي فاقت بعملها كثيرا من الوزارات، لأن البيروقراطية قد تعطل العمل الخيري إن لم تجعل أصحاب الخير يفرون من تعقيداتها.