من أي جبال الكلام أنحت ما يليق بوداعك يا أبي؟ هبْ لي من أبجديتك الفاتنة ما يسعفني في موقف الدمع وناصية البكاء هذه، يمر عجزي بحقولك الوادعة فلا يجد إلى تقصيره عذرا، كيف لي أن أعبُر صحاريك الشاسعة الوعرة؟
وأنت الهائل المربك الوديع، توقفت تفاصيل اللغة ومناجم الخيال الأبدية التي أشعلتها شعرا وحكايات أسطورية، فيلبسني رحيلك عباءة وبرية كتلك التي اشتملتها في لياليك الطويلة وانتجاعاتك الهائلة أبد العمر. أنتظم في سطر الصمت وصفحة الفقد يابس الروح وحيدا إلا منك، خاليا إلا من وصاياك، معزولا إلا من ملامحك. تعبرني قوافلك الضاعنة من طرف الكون حتى أقصى حدود الحياة لحظة لحظة. تشحنني بالصبر وتشيعني بالأمل والأمنيات، لكني حزين، تتجول عيناي ذاهلة تستجلب بهاءك وضجتك الجميلة، توزعني صباحاتك الأبوية على الزمن بسمة بسمة، فأشخص كلما هبت بسيرتك دمعة صديق ومهاتفة محب وسؤال مفتقد ومواساة عابر، تمتحنني في رحيلك، فدلني يا أبي على قارة الصبر تلك كلما عدت لنفسي وحيدا مغمورا بشلالات تفاصيلك وحكاياتك المبهرة ومواقفك الثابتة.
خذني لمحيطات التجلد وأنا أتصفح أشياءك المشتعلة حرائق في روحي، يا أبي كيف لي أن أكتبك رحيلا ووداعا؟ وأنت ساقية حرفي وبئر كلماتي ونافذة خيالي وسماء كل وعي وموقف، من أين لي يا أبي ما يليق بموكبك الأليق إلى السماء محفوفا بالدعاء والدمع؟
أسألك الآن في أقصى ارتباكاتي وأقسى مواجهاتي وأعرف ما ستقول، فما تعودت منك إلا الخير والنصيحة والأبوة الحانية. يا أبي في قلبي وستظل، مكللا مجللا لك شساعته، تطل منه هانئا بكل ما أنجزت.