احتفلت ألمانيا مطلع نوفمبر الماضي بهدم جدار برلين الذي مر على هدمه ومساواته بالأرض 25 عاما.

كان جدار برلين بمثابة خنجر قسم قلب ألمانيا إلى أوصال، إلا أن اللافت في الأمر هو تجاوز ألمانيا السريع لتداعيات بناء الجدار الذي بني بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وسيطرة الحلفاء عام 1945.

فور انتهاء الحرب الكونية الثانية بانتصار الحلفاء، قُسّمت ألمانيا إلى أربعة أقسام بقيت تحت وصاية الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وبريطانيا وفرنسا، حيث كان الجزء الغربي تحت وصاية دول أوروبا الغربية الكبرى، بينما كان الجزء الشرقي منها يئن تحت وطأة الاتحاد السوفييتي، وعلى الرغم من الاتفاق بالإبقاء على برلين منطقة محايدة ومدينة مستقلة، إلا أنها فعلياً قُسمت أيضاً إلى أربع مناطق تقاسمها الحلفاء، حيث إن الجزء الغربي-التابع للدول الغربية- قام تحت اسم جمهورية ألمانيا الاتحادية، بينما قام الجزء الشرقي-التابع للاتحاد السوفييتي- تحت اسم جمهورية ألمانيا الديموقراطية، وأعلنت برلين الشرقية عاصمة لها.

والفارق بين النصفين هو كالفارق في الجسد بحالة الشلل النصفي، حيث عاش المجتمع الألماني في الشطرين يشعر بالخزي والعار والإهانة، فسطوة ستالين ورفاقه لم تكن هينة في الشطر الشرقي، سيما في ظل الشعور المجتمعي بالانتماء إلى ثقافة دول أوروبا الغربية شريكة التنوير والثقافة والمصير الموحد، أكثر من روسيا القيصرية التي ورثها اتحاد جمهوريات الثورة البلشفية، ولذلك بعد سنوات قليلة من انتهاء الحرب هجر ملايين الألمان الشرقيين مواطنهم متجهين إلى ألمانيا الغربية، حيث الحياة الغربية الأسهل والأنسب بالنسبة لهم قياساً بسطوة القمع السوفييتي.

وعلى ضوء ذلك هاجرت العديد من العقول والكفاءات العلمية إلى الشطر الغربي، وربما منه إلى دول أوروبا وأميركا الشمالية، كما شاعت العديد من القصص والصور لمحاولات الألمان الهروب من المعسكر الألماني الشرقي، وتسبب ذلك في فقدان الأسر الألمانية لأدنى أواصرها، بل البعض فقد حياته قتلاً وهو يحاول تسلق الجدار!

اليوم، وبعد انتهاء العار الألماني المسمى جدار برلين يوم 9 نوفمبر 1989، من البداهة القول إن ألمانيا ضحّت كثيراً، ودفعت ثمن حماقات هتلر صاحب فكرة "رايخ الألف عام"، غير أن ما يبعث على التأمل هو تضحية ألمانيا الغربية في سبيل استعادة شطرها الشرقي وتوحيد الدولتين تحت لواء جمهورية اتحادية واحدة، حيث احتملت معالجة المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي صنعها التقسيم، إذ كان الشطر الشرقي يهوي اقتصادياً وعلى الرغم من وجود الحد الأدنى من الضمان الاجتماعي، إلا أن الألمان فقدوا ثقتهم في النظام الاشتراكي المطبق، وبناء على ذلك انتشرت البطالة وانتشرت ظاهرة العصابات ومنها المافيا الألمانية الشرقية.

تحتل جمهورية ألمانيا اليوم مركزاً مرموقاً في الاتحاد الأوروبي والعالم، ففكرة "الاتحاد الأوروربي" تقوم على ألمانيا حيث يوجد المقر الاقتصادي والمالي للاتحاد في فرانكفورت، وما زالت ألمانيا إلى جانب فرنسا تُظهر حرصاً على استمرار الاتحاد الأوروبي وتوسيعه، وكأنها بذلك تحقق حلم اتحادها بتحقيق اتحاد أكبر صنعته ظروفها التاريخية، بل كأن قدرها المحتوم هو المحافظة على هذا الاتحاد.

ينظر الألمان لذكرى سقوط جدار برلين من وجهين، وجه يحمل صور الألم والشتات والعار والهزيمة، ووجه يحمل الصمود والإصرار والعزيمة، ويحتفظ بعض الألمان اليوم ببقايا من جدار برلين سيئ الذكر والسيرة، لا سيما أن تاريخ إعلان انتهاء التقسيم والحدود بين الشطرين يعد "غلطة" إعلامية من قبل (جونتر شابوفسكي) عضو الحزب الاشتراكي الألماني، حيث لم يكن متأكداً من الاتفاق على تاريخ محدد لإعلان انتهاء الحدود، فقام العديد من الألمان بالتوجه للجدار ومساواته بالأرض.

وعلى ضوء ذلك، يبدو أن مشكلة تقسيم الألمانيتين كانت العائق الأول أمام قيام الاتحاد الأوروبي، حيث من غير المنطقي قيام اتحاد أوروبي من دون ألمانيا موحدة؛ ولذلك يعتبر توحيد شطريها فتحاً عظيماً وضربة موجعة للكتلة الشرقية بقيادة الاتحاد السوفييتي، حيث تلا انهيار جدار برلين سقوط ديكتاتور رومانيا، وبعد ذلك انهارت معظم دول الكتلة الشرقية بانهيار الاتحاد السوفييتي نفسه، ولم يبق سوى بعض دول البلقان ومن أهمها جمهورية يوغسلافيا السابقة التي لم يجد حلف الناتو بداً من التدخل بها عسكرياً لإسقاط بقية دول الكتلة وتقسيم الأقاليم إلى دول انضم بعضها إلى الاتحاد، وأخرى تنتظر.

إذا كان انهيار جدار برلين قد أتاح الفرصة لقيام فكرة الاتحاد الأوروبي، فإن الأكثر إعجاباً ليس هدم الجدار وإنما فكرة قيام الاتحاد الأوروبي التي خلفت وراءها كل صراعات التاريخ، واختلافات اللغة، وسياجات الجغرافيا، حيث يستطيع المواطن الأوروبي والسائح الأجنبي التنقل بين 28 دولة وكأنهما في دولة واحدة، بينما عجزنا نحن العرب عن إقامة أبسط أنواع الاتحاد في زمن يفرض علينا التكتلات.