تقول الحكاية إن مزارعا عانى باستمرار من ثعلب ما برح يفتك بدجاجاته بين الحين والآخر. المزارع اندفع غاضبا ليستخدم حيلا كثيرة لاصطياد الثعلب والقضاء عليه لكنه لم يتمكن، وقد أوجد ذلك شعورا لدى والدة المزارع أن هذا الثعلب به سحر أو "متجنس" ويصاحب الجن. الرجل استخدم عقله حتى بلغ أعلى درجات ذكائه لإيقاف هذا الثعلب حتى تمكن من القبض عليه وحجره في صندوق، وحين أتى موعد التخلص منه بقتله استنفرت العجوز والدة المزارع راجية من ولدها ألا يقتله، خوفا -حسب اعتقادها- من أن الجن الذين يستوطنون هذا الثعلب سينتقمون من ولدها، ولأن الابن لا يعصي أمه ومقابل أنه يريد التخلص من الثعلب فقد تفتقت قريحته إلى فكرة فحواها أن يربط جرسا بإحكام حول رقبة الثعلب ومن ثم يطلقه بعد ذلك.. وفعل، ليكون نتاج فكرته المثمرة حاضرا بعد أيام حينما وجد الثعلب ميتا، حيث إن صوت الجرس بات يستنفر الكلاب والمزارعين حين اقترابه، ليسلم الدجاج من شره، ويموت خالي البطن جائعا.
الشاهد من هذه القصة أننا بحاجة ماسة لمثل هذا الجرس كي نربطه بأعناق البعض ممن باتوا يفتكون بالمجتمع بأفكارهم وسرقاتهم، لنعلم حين بدء حركتهم المضرة أنهم مقبلون على ممارسة أعمالهم الشريرة، ليستنفر الجميع ويتصدى لهم، ونجزم أن مصيرهم سيكون مثل مصير الثعلب.. سيتلاشون تماما بعد ذلك.
لكن من سيعلق الجرس برقاب أصحاب الحظوة الكاذبة ممن بلغوا شأنا كبيرا بالحيلة والخداع من تلك التي لا يقدر عليها أذكى ثعلب.. من أناس لوثوا فكر العامة وألبوهم على أهاليهم وبلادهم، وما زالوا في غيهم يعمهون، ومعهم من نعتقد أنهم بلغوا شأنا في التقى من أولئك الذين كثيرا ما خاضوا في تأكيد "الحرام بين والحلال بين" لكنهم ينتقلون بينهما دون وازع، ووسط مباركة الرعاع والجهلة. وهنا لعلنا نراهن على وعي المجتمع، لكن كيف نستطيع ذلك؟ وهم من عبث بهذا الوعي وجعله هينا منقادا لا يقدر على معارضة من سحر عقله وخطف تفكيره، وهم هنا كما أم المزارع آمنت أن الثعلب مصاحب للجن، و"ربعنا" لا يقدرون على مواجهة من باتوا يؤمنون بأقوالهم، ليس إلا لأنهم يرون في أولئك أهل الصلاح والأقدر على القيادة الفكرية!
من سيعلق الجرس برقاب سراق المال العام؟ ومن سيكشف خطرهم المستقبلي؟ كيف يتسنى لنا فعل ذلك ومن ظهرت رائحتهم النتنة بعد غرق جدة والمشاريع المتعثرة والأراضي المنهوبة لم يستطع أحد حتى أن يشير إليهم! لا أن يعلن عن أسمائهم!
نعم نحن كما والدة المزارع نتقي الأخطار التي ما فتئت تؤلمنا وتهدد تماسك مجتمعنا بالاندفاع العاطفي وبما يفرضه الجهل، ورغم ذلك لم نجد من بيننا من هو بذكاء المزارع، لم يقتل ولم يفضح، بل جعل الثعلب يعلن عن نفسه "رغما عنه" في كل زيارة للدجاج، حتى اتقى الجميع خطره ومات جراء ذلك.