الشيء الذي تثق به وأنت تكتب مقالاً -قد يفسره البعض بالمناطقي- عن أبناء الحجاز، هو أن أحداً منهم لن يشرع في البحث عن "أصلك وفصلك"، وذلك لما تربى عليه أبناء الحجاز أو لنقل وذلك لما خلقته الجغرافيا البشرية في كل أبناء هذه الأرض الطيبة التي غدت بفضل ذلك مهداً حضارياً له اسمه وصيته عبر أزمنة تاريخية عديدة.

ولأن تاريخ الحجاز أكبر وأعمق من أن يسرده أحدهم في مقالة صحافية فإنني سأختصر هذه المقدمة بمحاكاة ذلك الخطيب الكسول الذي صعد المنبر وسأل المصلين عن أحد الصحابة فأجمعوا على أنه "كويس"، فأمر المؤذن بإقامة الصلاة؛ وأقول إن أحدا لا يستطيع إنكار أن أبناء الحجاز سبقونا جميعاً في التعليم والأدب والصحافة والفن، بل إن كل عمداء هذه المهن إنما هم من أبناء الحجاز. بيد أن السؤال الذي لا يمكن السكوت عنه: أين هم أبناء الحجاز الآن؟!

سيقضّ أحدهم مزاجي الذي أكتب به الآن وسيشرع في القول لي إن هذه البلاد لم تعد ملكا حجازيا أو نجديا.. وأنها -أي هذه البلاد- قامت على توحيد الصف والمساواة بين كافة أبناء الوطن الواحد.. وبدوري سأحتمله وسأعود وأكرر سؤالي: أين هم أبناء الحجاز الآن؟!

لن أبكي على أطلال رواد التعليم والأدب والصحافة من أبناء الحجاز لكنني سأكتفي بطرح سؤال بسيط آخر: كم حجازياً استضافه عبدالله المديفر في برنامجه الرمضاني الشهير في الصميم؟! طبعا إذا ما تم الاتفاق على أن البرنامج يقوم على استضافة المثقفين والكُتاب الأهم؛ وعليكم الحساب؛ أما أنا فسأقول إنه وحتى الفن الذي لم يتصور أحدهم أن بساطه سيسحب من تحت أقدام الحجازيين غاب وربما اندثر تماماً.

العجيب أن الحجازي لا زال متشبثاً بتلك الحقبة الزمنية التي يتغنى بها كلما سأله أحدهم أين أنتم؛ حتى غدا كقنوات الرياضة الكويتية التي كلما باغتها الحنين للمجد نقلت أهداف جاسم يعقوب وفتحي كميل -مع بالغ الود والتقدير للجميع- دون البحث عن أي إجابة أو تبرير مقنع.

أخيرا؛ ولكل سائل ولماذا أهل الحجاز أقول: إن العمق الحضاري الذي عاشه الحجازي كان ولا زال كفيلاً بأن يصنع أجيالاً من الإبداع والمعرفة التواقة لخوض غمار التحدي مع كل ما له أن يعمل على طمس معالمه التي تسيدت المشهد ردحاً من الزمن، فضلاً عن حاجتنا الماسة للروح الحجازية المرنة التي لو مُزجت بهذا التحدي لأنجبت لنا أجيالاً متزنة ستقود البلاد إلى أماكن متقدمة ومتقدمة جدا.