باستثناء فيلم "وجدة" يبدو الحضور الثقافي السعودي في الشارع الفرنسي خجولا، لا تنعشه محاولات الملحقية الثقافية المتفرقة، ويكاد الإعلام الفرنسي يخلو من أي ملمح ثقافي سعودي.

ما أراه أنا شخصيا أمرا لافتا، لا سيما إذا ما قارناه بملامح الحراك الثقافي والإعلامي الذي تشهده المملكة داخليا من جهة، وبالمبالغ الطائلة التي توظفها المملكة لإحياء التراثين العربي والإسلامي في عاصمة النور من جهة أخرى، ومن ضمنها التمويل الغزير الذي خصص لافتتاح الجناح الإسلامي الفخم المتربع في متحف اللوفر الشهير منذ عامين.

صحراء، جمال، بترول، أموال، نساء بلا حضور، إسلام متشدد، ودراجة "جدة". هذا ما يعرفه الفرنسي العادي عن المملكة، معتمدا صورة نمطية منغلقة، وجائرة، لكنها تحاكي صورة العربي المسلم التي روجت لها وسائل الإعلام الغربية و"هوليوود" وأعمال بعض المستشرقين منذ عقود.

الصورة التي تم الاشتغال عليها طويلا بحنكة، تحتاج إلى فعل مضاد أكثر مهارة، فعل يتقن نقل صورة المشرق من ماضينا ويناور لرصد الخط البياني الصاعد للمجتمع السعودي، فعل ينبئ العالم القصي أن الممالك "المسحورة" قد استيقظت، ويشتغل على إيجاد الترياق المضاد لإبطال فعل هذا السحر في الوعي الغربي، وهو أمر متاح لأن المملكة تمتلك كل الإمكانات والكفاءات التي تتيح لها العمل على ذلك.

لا أنكر أن معرض "آثار المملكة عبر العصور" الذي احتضنه "اللوفر" عام 2010 كان محاولة جادة لكشف التراث السعودي الذي ظل مجهولا لدى الجمهور الفرنسي، لا سيما أنه عرض تشكيلة مثيرة للغاية من التحف والأعمال الفنية من المملكة التي يعود تاريخها إلى عهد القوافل التجارية والتجار الأوائل في شبه الجزيرة العربية قبل أكثر من 200 سنة، مرورا بفترة صدر الإسلام وحتى تأسيس المملكة العربية السعودية، عندما كانت منطقة شبه الجزيرة العربية منطقة مشتركة للتبادل التجاري والثقافي.

كذلك كان معرض الحج الذي افتتحه الرئيس هولاند شخصيا في معهد العالم العربي أبريل الفائت فرصة لوصال ثقافي لافت ومساحة لحضور جيد للمملكة في الإعلام الفرنسي، إلا أنه يبقى اهتماما موسميا، يفيد دون أن يلبي الطموح، وإذا كانت مواضيع المعرضين الروحية التاريخية نجحت في إثارة غرائز الروحانيين والباحثين الغربيين المفتونين بالحج والتاريخ العربي والإسلامي، فهي لم تتلمس الطريق إلى ضمير المواطن الفرنسي العادي الغافل عن الحركة الفنية والإنسانية المعاصرة، التي بدأت تتلمس طريقها في السعودية.

من هم الفنانون السعوديون؟ من هم الكتاب؟ من هم الصحفيون اللامعون؟ ما مستوى التعليم في المملكة؟

ندرة فقط تعلم، فيما تلتقط وسائل الإعلام الغربية كل ما يشي بنعرات التمييز ضد المرأة أو التعصب الديني ليكون مثار جدل وهوس يلبي بشكل باطني نزعة الإسلاموفوبيا المشغول عليها مديدا.

ومن هنا، ليس غريبا أن يحقق فيلم مثل "وجدة" كل هذا الصدى في فرنسا كما في دول أخرى، دون أن ننتقص من قيمة الفيلم الفنية التي رآها البعض معقولة في ظل شبه غياب لسينما سعودية نسوية إذا صح التعبير، صدى يوضح مدى التعطش الغربي لمعرفة المزيد عن هذه الصحراء العربية الشاسعة التي فتنت مخيلته طويلا، وهو تعطش يمكن استغلاله لنقل الجديد على الساحة السعودية بعيدا عن الصور المحفورة في خيالات بعضها آسر وبعضها مريض.

لست راضية عن واقع المرأة في السعودية، ولا عن بعض التيارات المتشددة فيها، إلا أن هذه الأرض العريقة فيها الكثير مما يمكن الحديث عنه:

في المملكة نسب تعليم عالية جدا، شباب يدرسون في أحسن جامعات العالم، مراكز طبية متطورة، خزان بشري هائل، أصوات فنية وثقافية حديثة، رسامون مبدعون، شعراء جميلون، روائيون، طاقات إعلامية لافتة، وأصوات نسائية تستحق المساندة وتسليط الضوء. فلماذا هذا التعتيم، التغبيش، التقصير، والغياب؟!

لست سعودية، لكنني عربية ترى في هذه الصحراء العزيزة التي أججت خيالات ومخاوف وفضول وأطماع الغرب عبر التاريخ ما يستحق أن يرى بعين جديدة، عين ثالثة، تشق الغبار، تصوب تجاه العدسة، تلتقط حركة الممثل في لحظتها الراهنة، ولا تبقى أسيرة اللقطة الهوليوودية المذنبة. ذنبها مقصود وليس وليد الصدفة.