لم يعد مقبولا في يومنا هذا أن نتلفظ بمصطلحات دون أن نعي تفسيرها، مما يشكل عبئاً كبيرا على الثقافة والمجتمع. لم يعد مقبولا أن نرى كلاما متراصاً عبر مصطلحات رصينة دونما يفهم قائلها من أين أتت وما هي مداراتها. فحري بنا أن نفهم كنه ما نقوله، أو لا نكتب كلمة أو مصطلحا، لا نعرف كنهه، وذلك لن ينقص من قدرنا شيئا!

سنسوق على سبيل المثال وليس الحصر، مصطلح الهُويَّة - بضم الهاء وليس بفتحها - والفرق بينه وبين مصطلح القومية، إذ يعد مصطلح الهُويَّة من أعقد المصطلحات التي يتعرض لها الباحثون، فهو كمصطلح فلسفي يخلط فيه الكثيرون مع مصطلح القومية، ولذا نتعرض هنا إلى التفرقة بين هذين المصطلحين ودورهما في المجتمع الذي يتكون من مجموعات تحيا بتلقائية ملموسة وتشكل فيما بينها قانونا أخلاقيا واجتماعيا يتمثل في مجموعة العادات والتقاليد والأعراف، وهو قانون ملزم أكثر من القوانين التي تطبق بوساطة سلطات لها أدوات تمارس الرقابة على تنفيذ هذه القوانين، فالمجموعة تحتم العادات والتقاليد وتحملها جنبا إلى جنب مع آمالها وأحلامها لتسترشد بها في تحقيق هذه الغايات والآمال، فهذه المجموعة في تماسكها وترابطها تمثل قوة اجتماعية، هذه القوة التي لا تنتج إلا عن وحدة الفكر والعمل وهي التي تمثل الرقابة الفعلية على تنفيذ قوانينها، وهي العادات والتقاليد، أو العمل على تنمية الإحساس بالشخصية القومية بكونها نتاج توحد أفراد المجتمع وتعاونهم. على أن تعريف القومية كما جاء في المعجم: "القومية صلة اجتماعية عاطفية تنشأ من الاشتراك في الوطن والجنس واللغة والمنافع، وقد تنتهي بالتضامن والتعاون إلى الوحدة".

وهذه الصلة العاطفية والاجتماعية إنما تزداد قوة وإيمانا وتماسكا وترابطا في الوطن الواحد، وهو ما يجعل هذا التماسك والترابط كالشخصية الواحدة التي لا تتجزأ أو ما نسميها بالشخصية القومية، وفي تعبير آخر: "الشخصية القومية هي مجموع السمات والدوافع المشتركة وأنماط السلوك الظاهرة والمستترة المحكومة بالقيم والمعايير الاجتماعية التي يشترك فيها معظم - إن لم يكن كل - الأفراد المؤلفين لمجتمع ما".

فالشخصية القومية لا تتعين فقط بالسلوك الظاهر، وإنما تتعدى ذلك لتشمل ذلك النشاط المستتر لمجموعة الأفراد في ظل القيم والعادات والتقاليد، وهو ما يجمع كل أفراد المجتمع في صفات واحدة وأهداف واحدة بل ويحركها مؤثر واحد أو باعث واحد، والشخصية القومية تجمع كل هذه الصفات والأهداف داخل وعاء واحد هو المجتمع فتكون وحدة المجتمع، ووحدة إحساسها واستجاباتها للجوع والجنس والتبعية والاستقلال والعدوان والحب والثقة بالنفس والسيادة أو ما يسمى بالطابع القومي. فالطابع القومي أو الخلق القومي يتحقق في الترابط بين الصفات والخصال السلوكية لشخصية الفرد مع الخصال الحضارية للمجتمع وعلاقة هؤلاء الأفراد بعضهم ببعض من خلال انتمائهم للقوم ونفي الذاتية الشخصية أو الفردية، فلكل شعب من الشعوب أخلاقه القومية التي تتأثر بيئته وظروفه وتاريخه، وهذه الأخلاق تميز ذلك الشعب عن الشعوب الأخرى وتعطيه طابعا حضاريا وسلوكيا مستمرا وثابتا، وهذه الخبرات السابقة والمشتركة تضع في النهاية الشخصية الجمعية لشعب ما في مجتمع ما، مع تأثر هذا الشعب أو هذا المجتمع بالجوانب الثقافية. وهذا المفهوم للشخصية القومية نبع أساسا من علم الأنثروبولوجيا الثقافية، وهو يعنى بدراسة الشخصية في الثقافة ودراسة الناس في وضعهم الاجتماعي وليس دراسة الأفراد المنعزلين عن المجتمع.

إن المصطلحات والتعريفات السابقة للقومية، تتفق جميعا في أن القومية هي علاقة تجمع بين صفات وخصال مجموعة من الأفراد داخل مجتمع واحد له ظروف اجتماعية وثقافية واحدة أو بين المجتمع والمجتمعات المجاورة له، فالقومية تجمع عناصر متشابهة ولا تعنى بجوهر الأشياء، فالعلاقة هنا خارجية لأنها - أي القومية - تصلح مثلا في مجتمع متعدد الأديان وتتوفر فيه حرية العقيدة. ولأن الدين الإسلامي واحد لا يتجزأ فقد كان اختيار لفظ "الهوية" للتعبير عن المجتمع السعودي على سبيل المثال. ذلك أن الهوية في تعريفها الفلسفي المجرد الشامل هي: "مبدأ يعبر عن ضرورة منطقية تفضي بأن يكون كل معنى يتصور على أنه عين ذاته فلا تتغير الحال، وما هو صادق دائما وفي مختلف الأحوال والموجود هو ذاته دائما لا يختلط به غيره ويلتبس به ما ليس منه ويسمى بمبدأ وحدة الذات".

ومن هنا، يتضح أن الهوية تعبر عن أصل الشيء الذي لا يتغير والصادق دائما والموجود دون أي اختلاط به، وكما جاء في التعريف المعجمي الآخر بأن الهُوية هي:

"حقيقة الشيء أو الشخص وهذه الحقيقة هي التي تميز هذا الشيء أو الشخص عن غيره وهي تطابق في هذا المعنى كلمة: "هو. هو" التي تعني ثبات الشيء بالرغم مما يطرأ عليه من تغييرات، فالجوهر هو هو، أو هو نفسه وإن تغيرت أعراضه، وقد يسمى ما به الشيء (هو. هو) "ماهيته" لكن "الماهية" عند ابن سينا - وهو يتفق في ذلك مع أرسطو - هي مطلب ما هو؟ "كسؤالك ما الإنسان، فمعناه بحسب الذات ما هي حقيقة الإنسان، ومطلب ما هو مقابل لمطلب هل هو، الأول يراد به الماهية، والثاني يراد به الوجود".

والماهية في مفهوم "الجرجاني" تطلق على الأمر المتعقل عند الإنسان بدون النظر للوجود الخارجي، وهو أيضا يتفق مع السابقين في أنه مقبول في جواب ما هو.

ومقارنة بمفهوم "القومية" لدى الإنسان، فهي لا تعبر عن حقيقته أو جوهره المتفرد عن غيره من الناس، بل هي شعور أو إحساس برابطة تجمع هذا الإنسان مع غيره من بني البشر نتيجة اشتراكهم في بعض السمات الجوهرية لكل منهم، وهذه السمات هي ما أشار إليها الباحثون في علم الاجتماع بمصطلحات كالطابع القومي، أو الشخصية القومية، أو الشخصية الاجتماعية.. الخ.

وهكذا يتبلور الفرق الجوهري بين مصطلحات القومية والهوية في كون الشعور بالقومية يبحث عن السمات المشتركة بين جماعة من الناس، بينما تبحث الهوية فيما يميز هذه الجماعة عن غيرها من الجماعات، ومن هذا المنطلق كان اختيار لفظ "الهوية"، ولذلك نستطيع القول: (الهُوية السعودية)، لما للمجتمع السعودي من سمات خصوصية، وكذلك "الهوية الإسلامية" في المملكة، لكون الإسلام صاحب التأثير الأعلى في مختلف مظاهر الحياة في المجتمع السعودي، بالإضافة إلى خصوصية هذه الهوية الإسلامية في المملكة، والتي نبعت من اختيار الشريعة الإسلامية بمبادئها لكي تشكل جزءا أساسيا من هوية المجتمع السعودي بما تأصل فيه من عادات وتقاليد وأعراف أملتها عليه ظروفه البيئية التاريخية والثقافية.

ومن هنا، وجب علينا أن ندرك كنه المصطلحات، دون ترديدها بلا وعي، مثل العلمانية، والديموقراطية، والحداثية، والقومية، والليبرالية، وغير ذلك من المصطلحات، التي إذا نطقت في غير موضعها أفسدت المعنى!