نشر الزميل الشاب سلطان العامر في صحيفة التقرير الإلكترونية، مقالا نقديا لبعض المقالات الليبرالية التي كتبت ونشرت في صحفنا المحلية لإدانة مرتكبي مجزرة الدالوة، التي فجع بها غالبية مواطنينا، بعنوان "الليبرالية السعودية وحادثة الأحساء: الدولة البوليسية ليست حلاًّ للطائفية". ملخص نقد العامر للمقالات، أنها تكشف عن سطحية وهشاشة الطرح الليبرالي، حيث وقع في ثلاثة أخطاء: أولاً في تشخيصه لما حدث، وثانياً في فهمه للطائفية، وثالثاً في الحلول التي طرحها.

والذي دفع الزميل العامر لهذا المقال النقدي، كما يبدو، هو كون المقالات صدرت من كتاب يمثلون - كما يقول - ما يسمى بالتيار الليبرالي في السعودية الذين وقعوا - حسب تحليله - في أخطاء جسيمة بسب استعجالهم في القفز على كبش فدائهم التيار الإسلامي، للنيل منه وقمعه. وذلك بمطالبتهم الدولة باتخاذ إجراءات قمعية ضد من يحض على الكراهية والعنف ويروج للطائفية، وهذا مضاد لحرية التعبير، حسب تقديره. واستنكر أن تأتي هذه المناشدة من أصوات، يفترض أنها ليبرالية وعليه بأن تكون آخر من يطالب بالدولة البوليسية. هذا مع كونه في أول ذكر له للتيار الليبرالي، أطلق عليه "ما يسمى" بالتيار الليبرالي في السعودية أي أنه غير مقتنع بوجود تيار ليبرالي في السعودية، وإنما تناوله حسب ما يسميه الغير.

في البداية أشكر من كل قلبي وعقلي الزميل الشاب لطرحه مثل هذا النقد الشجاع للمقالات الليبرالية التي أعقبت مجزرة الدالوة، وتحليلها ومحاولة تفكيكها وتبيان قصورها في تشخيص الحالة، وفي مطالبتها بما لا يعقل منها. ثانياً أشكره لإيراده مقالي "من وراء مجزرة الدالوة" كأول مقال تناوله بمبضعه النقدي، وذلك كونه يفترض ألا أقع في أخطاء جسيمة مثل ما اكتشفها في مقالي، حيث كوني أمثل صوتا من أصوات "ما يسمى" بالليبرالية، له تواجده على ساحتنا الإعلامية، وهذا حسن ظن منه بي أقدره وأشكره جزيلاً عليه، ولو أتى ذلك عن طريق ما أسماه. كما أشد على يده، أو قلمه، شاكرا له رمي الحجر في مائنا الثقافي والفكري الراكد، والذي في المحصلة، برغم ما سأتناول بالنقد لمقاله النقدي الذي قد أوفق فيه أو لا أوفق إلا أنه بالنقد ونقد النقد، لا غير، ينمو الفكر وتتطور الثقافة.

منذ البداية والزميل العامر شكك بوجود تيار ليبرالي سعودي حقيقي وذلك، بنعته بـ"ما يسمى" بالتيار الليبرالي. والسؤال الموجه للعامر هو بما أنك قد شككت منذ البداية بوجود تيار ليبرالي سعودي حقيقي فلماذا أخذت تقيمه وتحاكمه حسب القيم الليبرالية الحقيقية؟ فإما أن يكون ما تقيمه هو تيار ليبرالي حقيقي، وعليه تقيمه وتحاكمه حسب القيم الليبرالية؟ وإما ألا يكون تيارا ليبراليا حقيقيا وعليه فيفترض بك منهجيا أن تقيمه وتحاكمه حسب أي تقييم آخر غير القيم الليبرالية التي لا ينتمي إليها، حسب فهمك له. أي أن تقيم كل مقال وكاتبه على حدة عن الآخرين وتظهر تناقضاته وقصوره وتترك القيم الليبرالية كمعيار تقييم جانباً.

ثانياً، المقالات التي نشرت وزينت صحفنا المحلية والإلكترونية وأدانت مرتكبي مجزرة الدالوة تجاوزت 500 مقال، وقد كتبت بواسطة أقلام تمثل جميع الأطياف والتيارات السعودية، منها الإسلامي والمحافظ والمستقل والرسمي وغير الرسمي وبما يسمى بالليبرالي وغير الليبرالي. وغالبيتها لم يدن فقط مرتكبي المجزرة، وإنما من يقف خلفهم من محرضين طائفيين داخليين. وكذلك طالبت معظمها وناشدت الحكومة بسن قوانين تجرم نشر الكراهية والعداء والحض على العنف. وهنا، أشكر الزميل العامر على حسن ظنه، بما يسمى بالتيار الليبرالي السعودي، إلا أني لا أقبل تجييره كل هذا الزخم العاطفي والإنساني الوطني الجياش الهاطل من جميع أطياف الوطن، وحصره فقط على ما يسمى بالتيار الليبرالي. فهذا غمط لحق الآخرين لا أرتضيه كليبرالي ولو بالاسم، إلا في حال كونه يرى بأن غير ما يسمون بالليبراليين لا يستحقون أخذهم بالاعتبار؟

إذاً إن ما اتهم به الزميل العامر "ما يسمى" بالتيار الليبرالي، هو يسري على جميع التيارات في المملكة على اختلافها، ما عدا التيار التكفيري الطائفي المحرض على العنف والكراهية. إذاً فقد سقطت تهمة العامر لـ"ما يسمى" بالتيار الليبرالي بأنه استعجل وقفز للنتائج، من أجل إدانة التيار الإسلامي والاقتصاص منه. حيث حادثة مجزرة الدالوة هي الحادثة الأولى التي وحدت جميع التيارات الوطنية في إدانتها للفاعلين وطالبت بتحصين اللحمة الوطنية بتشريع قوانين، توقف كل ساعٍ لتفكيكها والعبث بها قولاً أو فعلاً عند حده. إلا في حال كان العامر يقصد بالتيار الإسلامي التيار التكفيري الطائفي المحرض على الكراهية والعنف وتفكيك اللحمة الوطنية، فهو هنا على حق باتهام "ما يسمى" بالتيار الليبرالي السعودي بمحاولة القفز عليه وتصفية حساباته معه، وذلك أصالة عن نفسه ونيابة عن الوطن كله.

ثالثاً، انطلق نقد العامر للمقالات أولاً، من كونها جهلت المعنى الحقيقي لمفهوم الطائفية ولذلك وقعت في المحظور، حسب رأيه، وهو تأكيدها أن الدافع الطائفي هو من دفع من قاموا بمجزرة الدالوة لفعل فعلتهم النكراء. حيث اتهم الخطاب الليبرالي باختزاله الطائفية في خطاب الكراهية المذهبية. حيث هو من قبض على المفهوم الحقيقي للطائفي وهو: "- ببساطة - من يعتبر أن هويته المذهبية هي هويته السياسية. فهو، مثله مثل من يرفع الهوية الوطنية، قد يكون مسالمًا وقد يكون عنيفًا، قد يكون متعصبًا وقد يكون نقديًا، قد يكون داعية للتآخي والتعاون مع غيره من المذاهب، وقد يكون داعية للعداء معها، بل إنه قد يكون علمانيًّا".

إذن فهذا التعريف الذي أورده العامر يتضمن كون الطائفي ممكنا أن يكون عنيفاً ومتعصباً وداعية للعداء، وهذا ما تضمنه الخطاب الليبرالي الذي - حسب العامر - لم يفهم من هو الطائفي؟ وذنب الخطاب الليبرالي أنه لم يورد الطائفي النقدي ولا الداعية للتآخي والتعاون ولا العلماني، وهذا طبيعي بأن لا يذكرهم، كونهم خارج دائرة الاتهام. وأما المطالبة بأن يحشروا كلهم مع بعض ضمن خطاب التنديد أو التبرئة فهذا غير مقبول وهو نوع من توزيع الدم على القبائل، وعليه تبرئة الجميع، خارج دائرة الجناة المباشرين.

تعريف العامر للطائفي فضفاض، من أجل ألا يلزم نفسه تحديدا من وراء الجناة داخليا وإلزام غيره بألا يحددون هم ذلك. وذلك لكونه يعرف يقينا من وراء الجناة، وهم خارجيون، حيث ذكرهم في آخر المقال وطالب بالتخلص منهم عسكرياً وليس بوليسياً، وهي التنظيمات الجهادية في الهلال الخصيب، وعلى رأسها نظام بشار الأسد، ولو أدى ذلك لتوريط دول الخليج بخوض مغامرات عسكرية إمبريالية خارج حدودها، لا طاقة لها فيه.

العامر أدان استعجال الليبراليين وقفزهم على من يعرفونهم ويبخصونهم جيداً في الداخل، حيث قرؤوا لهم في المدارس وصلوا خلفهم في المساجد وتحاوروا كثيراً معهم في المجالس العائلية وعلى منابر قنوات التواصل الاجتماعي. وقفز هو قفزة "صاروخية" خارج الحدود وهبط على تخوم الهلال الخصيب وقبض على الفاعلين الحقيقيين متلبسين بجرمهم.

يتبع...