الراسب التاريخي في الذهنية المستقرة يصعب تحريكه بكل دلالاته ورموزه، حتى ولو كان خارقا للمألوف، ويدخل في سياق المرويات الأسطورية والخرافية، والتماثل مع تنويعات تراجيدية وامتزاجات مدهشة لحضارات أخرى، وهذا ما فعله الباحث "فاضل الربيعي" في بحثه المعمق في الميثولوجيا الإغريقية والأساطير العربية: "أبطال بلا تاريخ"، استعرض فيها المختلقات الشائعة في محاولة لفصل الأسطوري عن التاريخي، حيث وضع يده على ما يزيد على خمسة وعشرين شاعرا عرفوا بأنسابهم وأشعارهم، وتسموا باسم "امرئ القيس" صاحب المعلقة الشهيرة "قفا نبك" فمن هو امرئ القيس؟ هل هو الشاعر المريض ذو القروح، أم الأمير المطالب بعرشه؟ هل هو الملك الضليل أم الأمير الأسير؟ هل هو الشاب الذي طلب دعم القبائل في شمالي الجزيرة العربية فخذلته ولم يتمكن من الثأر لدم أبيه القتيل؟ أم هو الفارس الذي أوقع بهذه القبائل القتل والذبح؟ هل هو نفسه الشاعر الصعلوك والمشرد الذي كان يقود عصبة من شذاذ الآفاق، أم هو الزاهد الناسك المتأمل شاعر البرق والمطر؟ هل هو الكندي أم الحميري الغساني أم ساكن الحيرة في العراق؟ هل هو جندح أم عوف أم مالك أم عدي؟ هل هو الشاعر النجدي الذي تغنى بمواضع نجدية ووصف شمال الجزيرة العربية وصفا دقيقا يدلل على عمق ارتباطه بها؟ أم الشاعر الذي مات بأنقرة وأنقرة ثبتها ياقوت الحموي في كتابه: "معجم البلدان" موضعا بظاهر الكوفة، يقول الشاعر: "نزلوا بأنقرة يسيل عليهم.. ماء الفرات يجىء من أطواد" هل هو امرؤ القيس اليمني شاعر دلون، أم امرؤ القيس الذي عرف بالطماح؟ هل هو امرؤ القيس الكلبي، أم الأمير الأسير الذي وقع في يد الغساسنة؟ هل هو الملك الضليل الذي فقد عرشه وسافر إلى بيزنطة للقاء القيصر للحصول على مساعدة لاسترداد عرشه، أم هو الشاعر الذي بكى الديار وعرف بكونه "امرأ القيس بن حذام أو خذام"؟

ذكر الآمدي في كتابه: "المؤتلف والمختلف" نحو عشرة شعراء عاشوا في الجاهلية عرفوا بهذا الاسم، وأضاف المستشرق "الوارد "ستة آخرين وكانوا شعراء، ويقول الربيعي: "أثناء بحثي الموسع في مادة "قيس" عثرت على عدد يرفع القائمة إلى ما يزيد على خمسة وعشرين شاعرا تسموا باسم "امرئ القيس"، ويؤكد الربيعي أن الدارسين خلطوا في مروياتهم بين الشاعر امرئ القيس ذي القروح، وبين امرئ القيس الذي سعى للثأر من بني أسد الذين قتلوا والده زعيم قبيلة كنده، وأضاف أن تفكيك الديوان الذي يحمل اسم امرئ القيس فضلا على المعلقة نفسها سوف يمكن الباحث من إعادة رسم صورة الشاعر، لا على أساس أنها تنتمي إلى شاعر بعينه، بل على أساس أنها تخص مجموعة من الشعراء!".