في منتصف الأسبوع الماضي، كانت المدينة المنورة على موعد مع حوار علمي داخل أروقة الجامعة الإسلامية، عندما استضافت سماحة مفتي عام المملكة عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ، وكان حوارا مفتوحا مع الشباب استغرق أكثر من ساعة. تناقش خلاله الطلاب مع سماحة المفتي بكل شفافية وعقلانية أنبأتا عن وعي طلاب الجامعة، وإدراك من سماحته لما يدور حولهم من ثقافات وتحديات، شخّصها سماحته لهذا الجيل الجامعي الذي نور بصيرته الوعي الديني بما يقدم لهم في الجامعة الإسلامية من برامج ودروس ودورات.
وخلال متابعتي لمجريات هذا الحوار الذي بثته القنوات السعودية، ووسائط الإعلام الإلكتروني، استوقفتني عدة محطات، في مقدمتها استجابة سماحة المفتي لرسالة خادم الحرمين الشريفين، عندما وجهها إلى العلماء قائلا: "قوموا بواجبكم بصّروا الناس بما يدور حولهم واتركوا الكسل عنكم". هذه الرسالة الواضحة من أعلى سلطة في الدولة، توجب علينا ألا يجف القلم، ولا يسكت المنبر مهما تنوعت رسالتهما إعلاما ومسجدا ومنبر تعليم، كل يؤدي دوره على ضوء منهجه المنوط به، والعلماء ـ وفقهم الله ـ بالطبع لم تقف دعوتهم وبصيرتهم، ولكن المطلوب هو الزيادة والشفافية والوضوح تجاه شباب الأمة الذين يتربص بهم الأعداء من كل مكان، خاصة أولئك الذين ذهبوا ضحية الفتاوى والرأي الأحادي، ولهذا وقع ما وقع لبعض شبابنا في مستنقع "الجهاد" من الذين انضموا إلى الحركات الجهادية بدعوى "البحث عن الجنة" وما علموا ـ مع الأسف ـ "أن الجنة تحت أقدام الأمهات"، وأن الهدي النبوي يقول: "ففيهما فجاهد"، يعني الوالدين.
وعلى كلٍ، فالحديث عن هذا المفهوم قد اتضح للعوام فضلا عن المتعمقين في المنهج الوسطي.
إن حوار سماحة الشيخ مع الشباب يعد أنموذجا للحوار الهادف الناجح، لأن آداب الحوار كانت واضحة في معالم اللقاء، وسماحته أحد هؤلاء الذين يتحدثون بدليل القرآن والسنة، بعيدا عن مناهج الفلسفة والضلال المعرفي.
عرف عن سماحته تواضعه، فكان متجليا عندما خالط أبناءه طلاب المنح في الجامعة الإسلامية، يرسم صورة المسلم الوسط. صورة الداعية الذي يصغي له طالب العلم.
كان سماحته يستمع ثم يجيب لتوضيح معالم الطريق الصحيح أمام هؤلاء الشباب الذين يمثلون دول العالم الإسلامي، وبعدها سيكونون سفراء لبلادهم، برفع صورة هذا المنهج الوسطي لداعية وصفه أقرانه بالاعتدال والوسطية.
كان الحوار في المدينة الجامعية، يسطر رسالة إلى كل جامعة في هذا الوطن: أن عليكم مسؤولية في توجيه جيل اليوم إلى المسار الصحيح والمنهج الإسلامي الصافي بعيدا عن التطرف والغلو. وأن يختار لمثل هذه الحوارات أصحاب الفكر المعتدل الذين عرفوا في المجتمع بحسن النية وسلامة المعتقد حتى ينهل الشباب من هؤلاء.
نعم، سماحة المفتي في الجامعة الإسلامية كان أنموذجا للداعية الغيور على أبنائه. وتُشكر الجامعة الإسلامية ومديرها معالي د. عبدالرحمن السند، على حسن الاختيار والتوقيت. كيف وعالم الشباب اليوم يموج بالتحديات والمغريات، والساحة من حولنا تغلي بالتطرف وضياع الهوية، ولنا في التنظيمات والأحزاب من حولنا عبرة، تؤكد لنا أن الالتفاف حول العلماء والدعاة المفكرين الناصحين أمر تحتمه الشريعة الإسلامية وتدعو إليه في أكثر من موقف قرآني ونص نبوي.
في اللقاء والحوار، أعجبتني ثلة من الشباب، عندما طلبوا من سماحة المفتي أن يبعث رسائل إلى كل أصحاب المعتقدات الضالة والفكر المنحرف والتوعية بأضرار هذا الفكر والخوف على شباب الأمة من الانخراط في سلك الجهل والظلم خلف الناعقين باسم الحزبية والجهادية والتنظيم مع الأسف.
أعجبني في اللقاء أيضا، وضوح الموقف من رسالة الجامعة الإسلامية التي أكد المفتي ـ وفقه الله ـ عليها، وعلى دورها تجاه العالم الإسلامي والأقليات، ووضوح هدفها في المجتمع الإسلامي، كما أن من المواقف التي تسجل لهذا الحوار العلمي الماتع الذي نفع الله به خلقا كثيرا، أن الشباب حريصون على الالتحام بالعلماء وقادة المنهج، بما يوحي أن علماءنا عليهم الدور الكبير في احتضان الشباب، وزيارتهم في جامعاتهم ومعاهدهم، حتى يأمن طلبة العلم على اختيار المحاور، وأن مظلته جاءت بجوار المسجد النبوي الشريف كأنموذج لهذا الحوار، الذي سارت عليه الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة مع طلابها، وهي رسالة إلى المجتمع كله ذكورا وإناثا، بأن دور الجامعة ورسالتها في المجتمع متعددة لا تقتصر على النصوص والمحاضرات المجدولة، بل رسالة الجامعة رسالة عميقة، إذا أدركنا تأثيرها في أوساط جيل الشباب وهم الأهم في عالم اليوم.
بارك الله في جهود إخوتنا في الجامعة الإسلامية على هذه البادرة المباركة، ونفع بها، وتمنياتي بالتوسع أكثر في استقطاب العلماء إلى أروقة الجامعات لتعم الفائدة.