أكاديميون ومثقفون حين يكتبون ويتحدثون فهم يبهرون، لشمولية علمهم وسعة ثقافتهم، حتى يكاد الشخص يظن أنهم أنبياء لا يخطئون فتيلا. لكن المتخصص في اللغة الأم والمتقن لها نحوا وقواعد يجد أنه لا يخلو سطر كتبه أحد هؤلاء من خطأ فيها.. ومن المؤسف أنه يقف محاضرا في قاعته، متحدثا في مجتمعه، مكثرا من التنظير، ويشبع النقاشات بلغة منتهكة تكاد تئن من هول هذه الانتهاكات.
مخجل أن يعتلي منابرنا العلمية والثقافية مثل هؤلاء، ومخجل أن يحصلوا على الدرجات العلمية العلا، يسرحون بها ويمرحون غير آبهين بقوام وأبجدية الثقافة وأسسها السليمة المبنية على لغة فصحى سليمة من اللحن والخطأ.
الأكاديميون والتربويون هم واجهة أي مجتمع ثقافي تعليمي تربوي، لذلك فمن المهمات الأساسية الاهتمام باللغة جملة وتفصيلا، بدءا من مناقشة الطالب، وإن كنت لا أعرف ماذا يحدث خلف أروقة قاعة المناقشة، وما هي ا?لية لها، لكن أرى أنه أيا كان تخصص الطالب فلا بد من إلزامه بكتابة نص مكثف خال من الأخطاء، وإرفاقه مع نتيجة بحثه كشهادة له على اجتياز اللغة بإتقان.
من خلال متابعتي لمجموعة كبيرة من ذوي الدرجات العلمية العلا، أجد حوالى عشرة في المئة منهم سليم اللغة، وهذا دليل على أن الأخطاء التي يقعون فيها بسيطة يلاحظها الأقل منهم علما ومعرفة. ومن المؤسف أن يجيد أحدهم لغات قد تصل إلى ثلاث أو أكثر، ولا يتقن بسيط لغته! من المسؤول عن هذه الظاهرة المزرية؟ هل هي الثقة بالدرجة العلمية بأنها جعلت منه كبيرا لا يجرؤ أحد على أن يقول له: أخطأت في هذه الجملة أو تلك؟ أم أن المشرف على دراسته يغفل جانب اللغة ويهتم بما يرى أنه أهم حتى يحصل على الدرجة؟
واحتمال أخير بأن الشخص نفسه من يهتم بالمظهر على حساب الجوهر، فيريد القفز الظاهري في طابور أرباب الدال المتوعكة.. هذا طبعا لا يقاس على الجميع، بل نسبة عالية جدا يحزننا أن نجدها، أما النسبة الضئيلة فهي رغم قلتها إلا أنها تستطيع أن تحدث الفرق في الأجيال القادمة، حتى نتدارك هذه المعضلة ونقوم جيلا سليما لغويا.. ليس عدلا أن يقرأ المرء ما يقارب 500 كتاب في العام الواحد، ولا يزال غير قادر على التفريق بين الهاء والتاء وبين الضاد والظاء! ومع هذا يغضب عندما لا يتقدم اسمه الدال في كتاباتنا وحديثنا!!