مرحبا علي..

هل تعرف لماذا أكتب لك هذه الرسالة؟ أنا شخصيا لا أجزم بسبب معين، ولكن قد تكون طريقتنا المتشابهة في الرحيل هي السبب، أو لأنني تابعت قضيتك باهتمام قبل أن ينساها الجميع مثلما نسوا قضيتي.

أكتب لك هذه الرسالة وأنا غير واثق من وصولها إليك، قد يسخر البعض لأن سبب شكي في عدم وصول الرسالة إليك هو اعتقادي أن ساعي البريد سوف يسقط في أحد فتحات الصرف الصحي قبل أن يصل إليك. ألتمس العذر لسخرية البعض من هذه الشكوك، ولكن من كان يعتقد أنني سأموت بهذه الطريقة؟ أن تلتهمني فوهة صرف صحي وأنا أغادر مدرستي الثانوية!. من كان يعتقد أن يسقط طفلك في شارع التحلية أرقى شوارع مدينتنا، وأن تحاول إنقاذه فتلحق به أمام زوجتك التي ما زالت تنتظركما حتى الآن، وأن نكون أنا وطفلك وأنت ضحية للفساد في أبشع صوره!

تأثرت للغاية بخبر رحيلك وطفلك محمد، رغم أني لا أعرفكما شخصيا إلا أنني بكيت فراقكما، بكيت لأنني كنت أريد أن أصبح مثلك، أن أنهي دراستي الأساسية، ومن ثم أكمل تعليمي العالي حتى أحصد الدكتوراه التي لم تفرح بها. شعرت بلحظاتك الأخيرة التي شاهدت فيها طفلك يرحل، ومن ثم تبعته ليتبخر حلمك بالعمل في وظيفة أحلامك بعد حصولك على شهادتك العليا.

ذهبنا يا عليّ ضحية فساد جعل من أرض جدة تبتلعنا دون أن يُحاسب أحد، وبما أننا تكلمنا عن الحساب، هل تصدق أنه منذ رحيلك لم تتم محاسبة أي مسؤول حتى الآن؟! أعلم أن هذا الشيء مخيب للآمال، ولكن صدقا هذا هو ما حدث، لم تتم محاسبة أي مسؤول، وكأن رحيلك أنت وطفلك لا يعني شيئا، حتى مكافحة الفساد التي عقدنا عليها الأمنيات لم تفعل شيئا، ولكن لا تقلق يا علي ولا تحزن، فأنا أيضا بعد أن قتلوني بإهمالهم وفسادهم لم تتم محاسبة أحد، ولم ينقذني أحد، ولم أخرج من المكان الذي التهم روحي حتى أتى أحد أقاربي بسيارة شفط "للصرف"، وبعد أن تم إفراغها تم إخراجي من قبل رجل الدفاع المدني الذي لا يجيد الغوص، ولا يملك الزي الخاص بالغوص! ولكن لا أستطيع أن ألوم الدفاع المدني، فهو جهاز يعاني تبعات إهمال الجهات الأخرى، هل تذكر يا عليّ معاناتهم في قضية "لمى الروقي"؟ كنت أشعر حينها أنهم فعلا في مأزق كبير أمام الرأي العام، ومضت أيام وأسابيع وكأنها دهر قبل أن ينجحوا في انتشال جثة "لمى"، ولذلك لا أهتم إن كان بادروا بسرعة إحضار غواص أم لا لإنقاذي، لأن الأمر تجاوز مرحلة إنقاذ حياة إلى انتشال جثة، وحينها أصبح الوقت خارج الحسابات، وأقوى فرقة للدفاع المدني في العالم لا تستطيع أن تنقذني في يوم ممطر بجدة، وأقول في يوم ممطر لأن الطرق والشوارع في مدينتا تصبح شبه مغلقة في مثل هذه الأيام، تصبح مغلقة لأنها مليئة بالفساد، الفساد الذي قتلني وقتلك يا علي وقتل طفلك محمد، الفساد الذي لم يحاسب عليه أحد حتى الآن.

وأنا أكتب لك هذه الرسالة يا علي هناك فتحة صرف مكشوفة أمام مدرسة ابتدائية في حي "غليل"، وأنا أكتب لك هذه الرسالة هناك بلاغات تصل إلى الجهات المسؤولة عن مكامن خطر ولا مجيب، بالأمس يا علي كانت السيدة "أم محمد" تتحدث عن مشكلتها في أحد البرامج فتقول: "نحن سكان هذا الحي من مدينة جدة نعاني منذ فترة طويلة من اختلاط المياه بالصرف الصحي، ونضطر دائما لتنظيف خزانات منازلنا الأرضية". صحيح أن مشكلتها كبيرة ولكن ماذا لو كان اللقاء مع والدي؟ والدي الذي كان يحلم أن أنهي دراستي الثانوية، ومن ثم يرى أمنياته تكبر فيّ وأجعله يفخر بي. والدي الذي أتى مسرعا إلى مدرستي إثر نبأ لم يصدقه، حتى شاهدهم وهم ينتشلون جثتي، ماذا لو كان اللقاء معه؟ ماذا كان سيقول؟! ماذا لو كان اللقاء مع زوجتك؟ ماذا ستقول عن الفساد في جدة؟!

صمت والدي وحده أبلغ من المشكلة التي تتحدث عنها "أم محمد"، ولذلك أطالب كل سكان جدة بعدم الحديث عن أي مشكلة أخرى، وأرضنا ما زالت تلتهمنا واحدا تلو الآخر دون حساب أو عقاب لأي مسؤول، أتمنى صدقا عدم الحديث عن أي مشكلة أخرى وما زالت مدينتنا تغرق بعد كل مطر.

من حقكم أن تتحدثون عن مشكلة اختلاط مجاري الصرف الصحي بالمياه، ولكن ستبدو مشكلتكم تافهة في عين والدي الذي شاهدني أموت أمام عينيه، وستبدو أكثر تفاهة في عين زوجة "علي منشو" التي فقدت زوجها وطفلها في لحظة واحدة.

أنا أعتذر يا علي لأني تحدثت كثيرا عن موتي وعن معاناتي وعن الفساد الذي سرق أحلامي، ولكن أكتب لك لتعلم أنك لست وحدك من يعاني، وإذا كنت تعتقد أن هذه المشكلة ستغلق أبوابها للأبد بعد قضيتك فإنك مخطئ، فقضيتي بعدك بقليل، وسيكون هناك ضحايا بعدي وسأشعرك بذلك، أو قد أبعث لك نسخة من رسالة الضحية التالية التي أخشى أن تلتهم إحدى مصيدات "الصرف الصحي" ساعي البريد قبل أن يصلني.

أخوك: عبدالله الزهراني

اليوم الثالث والعشرون بعد الرحيل.