كلما تأملت فيما يحيط بنا/ بي، ورأيت السلام ينحسر، والبشاعة تتمدد، وشاهدت أدعياء الجهاد يقطعون الرؤوس، مفاخرين بأنهم لا يأبهون بحرمة الدماء، وشهدت عن قرب أدعياء امتلاك الحق والحقيقة يقطعون الأرزاق، ويصادرون الآراء، وهم "المفسدون ولكن لا يعلمون"؛ تذكرت قصيدة عنوانها: "الكلمة الضائعة"، للشاعر عبدالرحمن المحسني.
كتبها المحسني قبل جهاد بعضنا في رقاب بعضنا، وهو يعني بها – عند إنشائها - السلام العربي الإسرائيلي، لكنها صالحة لكل سلام ضائع، ولا أجد "أضيع" من معاصرينا وعصرنا للسلام بمفهومه الإنساني الذي يتقاطع مع الحب، ويتداخل مع الطمأنينة.
القتل يحيط بنا، ومناظر الجماجم محمولة بأيدي القتلة، أو متدحرجة بين أقدامهم، لم تعد جزءا من كتب التاريخ، أو مقصورة على ما قرأناه عن المغول والتتار، بل باتت "عادية" لكثرتها الناجمة عن كثرة المجرمين، حتى إننا نجدها في "جوالات أطفالنا"، وقد تخرج فجأة ونحن نتصفح "يوتيوب"، دون أن تسبقها "صافرات إنذار".
المحسني عمد في قصيدة إلى تفريق الحروف لإنتاج الصوت، وليرسم – بصريا – ضياع السلام، وتفتت أوصاله، ففتّت اللفظة ذاتها، بنثر حروفها على أكثر من سطر.
في القصيدة، تبدأ الكلمة الأولى من كل مقطع بأحد حروف لفظة: "السلام"، حيث يكرر، ويقدم، ويؤخر، حتى تضيع اللفظة، برغم وضوح كونها المقصودة، لكنه أراد بذلك الإيحاء بأن السلام ضائع، برغم وجوده الظاهري، لا الجوهري، أو برغم كونه الخيار الملائم للأديان والفطر السليمة، وهو أحد المعاني التي أراد الشاعر رسمها أمام العين، حين عمد إلى تفريق الحروف، المؤدي إلى تفريق اللفظة عند الإلقاء، أو القراءة، لتشترك صورة اللفظة البصرية، مع طريقة نطقها، في إنتاج دلالة إضافية تؤازر معاني اليأس المتمثلة في مفردات: "سئمنا، ونئن"، وغيرها. يقول في أحد المقاطع:
سين..
سئمنا من مفاوضَة اللئام
ودماؤنا تجري
ونحن نَئن من عام لعام
كي نستظل بفيء أروقة
ال/س/ل/ا/م
فتفريق حروف الكلمة كلها، يؤدي إلى شيء من البطء عند قراءتها وإلقائها، وهو ما لا يكون عند رسمها مجموعة؛ لأن مدار القصيدة كلها هو هذه اللفظة بحمولاتها الدلالية كلها، ولذا اختار الشاعر أن يمنح الدلالة إضافة تثريها، بتفريق الأصوات وتباعدها، وذلك كله يشكل موسيقا خارجة على تفعيلات النص الظاهرة، ولو لم تكن لفظة: "السلام"، هي الكلمة الضائعة، لما وجدت إضافة في تفريقها، ولأصبح التفريق تقليدا مجردا من الغاية.
سيبقى "س ل ا م المحسني" لغزا معروفا ومجهولا في الوقت نفسه؛ فهو معروف لكنه ضائع، وهو مجهول لأن كنهه هو الضائع. فهل إلى "السلام" ليحل في محلّ "ا ل س ل ا م"؟
لا أظن أننا سنجده، ما دام فينا من يريد قطع رقابنا؛ لأن سيده الذي رسم خريطة الطريق إلى وهم الخلافة، قد عمل جاهدا على تغييب عقله، وزرع في خلايا "مخه" أن الطريق إلى الجنة مفروش بجماجمنا، وأننا الأعداء لا غيرنا.. فحسبنا الله على "الزارع"، وعلى "الإمعة".