إن حرية الرأي في يومنا هذا أصبحت من فضائل هذا العصر، إذ يتمتع كل من كان بإبداء رأيه وطرح أفكاره حسبما يرى، وكيفما تملي عليه أفكاره! ولكن إلى أين نحن ذاهبون؟ وكيف نطرح أفكارنا؟ وكيف نتلقى أفكار الآخرين؟!
في يومنا هذا أصبحت الأفكار على قارعة الطريق، ولكن الفكر لم يكن على القارعة، فالبون شاسع بين الأفكار والفكر. فالفكر تراكم ثقافي وبنية معمارية لهذه المعرفة والثقافة، يصقل عبر السنين، ويشحذ كل يوم. أما الأفكار فهي في متناول الجميع تطرح وتسمع على المقاهي وفي جلسات السمر، وفي المنتديات والملتقيات والمؤتمرات، وتتداول في شكل جماعي وبصوت عال، وأحيانا يصل الأمر إلى التشابك بالأيدي إذا لم يُسلم الآخر ويمهره توقيعه حتى وإن كان ضمنيا وغير مبرم!
فهل هذه الظاهرة التي أصبحت سائدة نتاج طفرة ثقافية ضحلة غير متعمقة؟ أم أنها نتاج اتساع أفق المعلومات؟ وأعتقد أنها لا هذا ولا ذاك، وإنما نتاج ثقة قد تكون زائفة فيما نتلقاه من معرفة بدون استخدام ما يسمى بالذهنية الناقدة، وهي عرض المعرفة على العقل وفحصها ومقارنتها وتحليلها ثم تفسيرها ثم جهازيتها حسبما كانت النتيجة. نحن أصبحنا نأخذ المعرفة أو بأسلوب أدق المعلومة مسلمة لا شية فيها، وهذا خطأ في طريقة تفكير قد تجذر فينا، ولم نتعلم ونتدرب في مدارسنا على الذهنية الناقدة كأداة من أدوات التفكير التي يتم بها جهازية النطق بالحكم.
قديما كان أجدادنا يقولون في الأمثال الشعبية التي لم تدع شيئا إلا طرحته كمدرسة فطرية عبقرية: (إن الرجل يُربط من لسانه).
كلمة قد تبدو بديهية وساذجة وعابرة إلا إنها قانون ملزم في أمر النطق والمنطق، فالرجل لم يكن يحصل على احترامه ووضعه في مجالس الرجال التي هي نوط من الأنواط الاجتماعية يحصل عليه الرجل بالكلمة. أما ما نراه اليوم فأصبح الكلام كثيرا والأفكار تتحرك وتتغير وتتلون، بينما الفكر هناك في عباب السحاب، فلا تطاله سوى رقاب رجال استطاعوا التمرس في الفكر والتفكير، فطرحوا فكرا وبلاغة وفلسفة وعلما، وما أحوجنا لذلك في هذه الأيام التي أصبحت سمتها الثرثرة في أغلب وسائل المعرفة! فهل أصبح لدينا فكر "باريدوليا"؟
إن أخطر ما رأيت وما سمعت من النقاش بين البشر في الأمكنة وفي الفضائيات وحتى المؤتمرات هي ظاهرة الباريدوليا التي انتقلت من مقامها كمصطلح إلى مقام التفكير والسيطرة عليه، وهذا أمر جد خطير حتى تسلل الأمر بين الأسرة الواحدة!
والباريدوليا كما عرفها ديفيد هيوم: "توجد بين البشر اتجاهاً سائداً وموحداً في تصور الأشياء ينتقل من السلف إلى الخلف، هي سمات يكونون على معرفة ووعي تام بها، كأن نتخيل رؤية وجوه بشرية على سطح القمر أو جيوش في السحب، وما لم يتصحح ذلك الميل الطبيعي من خلال التجربة والتأمل فسوف يُنسب ذلك إلى الخبث أو النوايا الحسنة في كل شيء يضرنا أو يسعدنا".
هذه الظاهرة تظل سمة أو طريقة من طرق التلقي، ولكنها تصبح خطيرة إذا ما اتخذت طريقها إلى أسلوب التفكير وإلى طرح الرؤى التي أصبح صاحبها شديد المصادرة والتشبث فيما يراه!
قد يصبح هذا الأمر مقبولا في قراءة لوحة تشكيلية أو التخيل الفني، إنما لا يصبح أبدا مقبولا في الأمور التي تعتمد على الحقائق والقياس الفكري والعلمي، لأن ذلك لا يخص فردا يسمح لنفسه بالخيال والتصورات - التي تتطور لكي تصبح حقيقة بالنسبة له - وإنما تخص بنيانا اجتماعيا وسياسيا، ومستقبل أجيال قادمة دونما نحسب حسابا لذلك.
فالباريدوليا Pareidolia نوع من الوهم أو عدم القدرة على الإدراك الذي ينطوي على حافز غامض أو مُبهم تبدو فيها الأشياء على غير حقيقتها بجلاء، وفي الظروف العادية توفر (الباريدوليا) تفسيراً نفسياً لكثير من الأوهام المستندة على الإدراك الحسي، وفي ظل الظروف السريرية (الإكلينيكية) فإن بعض علماء النفس يشجعون ممارسة (الباريدوليا) كوسيلة لفهم المرضى. ولكن حينما تتسرب إلى الفكر وتقلب هذا الوهم إلى حقيقة يدافع عنها حاملها باستماتة مطلقة، حينها يصعب إقناعه، ويصعب عليه تقبل أية أفكار غير التي يحملها ويتخيلها، فهو أصبح يرى أن كل شيء مغاير لما يطرحه ضربا من ضروب الوهم.
يرى "كارل ساجان" أن عدم المعرفة الحقة تنتج عدم كسب قلوب الآخرين، فحين لا يتعرفون على الوجوه لا يبتسمون لها لعدم التعرف عليها. وهو ما نلحظه من بخل الوئام الحقيقي الذي تفشى بين البشر على عكس ما كانوا عليه من فطرية وبراءة ومحبة نتيجة أيضا لاختلاف الأفكار، وقد كان آباؤنا يقولون إن "الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية"! فأين ما أوصانا به أسلافنا وورثه عنا العالم المتحضر؟!
أذكر أن توفيق الحكيم قد عالج هذه القضية في مسرحية بعنوان "نهر الجنون"، وهي أنه كان هناك نهر من شرب منه أصابه الجنون، فشربت منه الخلائق سوى حاكمهم، ومن هنا أصبح عسيرا عليه الالتقاء معهم أو محاورتهم مما اضطره لأن يشرب هو من ذلك النهر كي يتسنى له الالتقاء معهم حتى لو كان جنونا. لأن من جمح بخياله وتخلى عن عقله يصعب إقناعه.
كنا نجل العلماء والعلم والمعلمين ومن هم أكثر خبرة وفهما وعلما ومعرفة، أما في يومنا هذا فأصبح كلٌ يرشح نفسه عالما وخبيرا وفقيها حسبما تهيئ له مخيلته، ويحدث الصدام الفكري الذي استشرى على الساحة. أعتقد أن الأخلاق هي الركيزة الأولى في هذا الأمر، فكما قال الشاعر الكبير أحمد شوقي:
وإنما الأمـم الأخلاق مـا بقيـت
فإن هم ذهبت أخلاقـهم ذهبـوا.