هناك تجارب فنية استثنائية لا يمكن أن تمر دون أن تحدث صخبا وجدلا ويلتفت إليها الجميع، وتأتي تجربة بدر بن عبدالمحسن وطلال مداح كأكثر التجارب استثنائية كماً وكيفاً في تاريخ الأغنية العربية، فطلال غنى للبدر نحو 64 أغنية، وهناك من يؤرخ لأكثر من هذا العدد، ومعاً أحدثا انقلاباً في مفهوم الأغنية المحلية في زمن بسيط موسيقيا يتلازم مع بعض "الطروق" ويردد فيه الناس أشعار السديري وبن لعبون.

هذه التجربة "الحداثوية" غلفتها الجرأة منذ بدايتها وحمل الاثنان على عاتقهما الضرب بيد من "دهشة" لكل من تسول له نفسه البقاء في دائرة الغناء القديم نفسها، وإذا كانت انطلاقة طلال الكبرى بالمفاجأة "مقادير" لمحمد عبدالله الفيصل، فإن عبقرية صوت الأرض ظهرت جليا في أغنية "زمان الصمت" للبدر، ولك أن تتخيل بدويا يدندن "كتبت اسمك على صوتي" وهو يرعى أغنامه في مطلع ثمانينات القرن المنصرم، ثم ينفعل أكثر "وترحل".

قبل هذا كانت أول لبنة وضعت في هذا الصرخ الشامخ أغنية "يا ليت أقدر" في العام 67، ولم تلبث الذائقة بعدها حتى ضربت بـ"يا طفلة تحت المطر" وكل ما فيها من صور تتراقص مع الموسيقى المكتنزة، وفيها يخبر البدر ماذا سيحدث "لو رمينا شالك الدافي على متن السماء". وبعد ذلك صدح طلال بكل شجن "ياعذبة التجريح شفتك في عرس الريح" وهو يؤدي واحدة من روائع البدر "ليلة تمرين"، وما قبل هذه الأغنية وما بعدها انتثر الكثير من الإبداع الذي نتج عن هذه التجربة المختلفة في زمن مختلف.

حين يكتب البدر للأغنية فإنه يكتب الشعر بسلم موسيقي أو كأنه قد جعل للكلمات نوتة كاملة وحين يغني طلال يموسق الشعر ويطوع الكلمات لتكون قابلة للعزف على الأحرف، وكل ما عليك الآن أن تستنهض ذاكرتك الموسيقية لتسترجع أغنية "يا صاحبي ما في الهوى راحة" أو تستعيد كلمات "زل الطرب يا موجع الطار يالكف" وبعدها ارجع لما كنت تستمع إليه قبل قليل، إن كنت تستطيع.