جنت علينا الطفرة، ومسخنا النفط، وأعاقتنا الرفاهية فصرنا عجزة، اتكاليين.
لم نعد نصنع شيئاً، يطبخ لنا، ويغسل لنا، ويعتنى بأطفالنا ويساق بزوجاتنا وأبنائنا.
وتحلق شعورنا وتخاط ملابسنا، وتصفف حديقتنا، وتسفلت شوارعنا، وتزرع أرضنا، ويؤذن للصلاة عنا، ويُعتنى بمساجدنا.
ونحن في كل شاردة وواردة مجرد أجهزة استقبال وتلقي و"مواعين" امتلاء.
علينا أن نحمد الله صبح مساء، وأن نرعى هذه النعم التي لا تحصى بتوقيرها وتقديرها وليس بتبذيرها من خلال الموائد التي تفيض بأنواع الأطعمة وتقدم للغير تعبيرا عن التقدير والمحبة والإجلال، ويكاد كثير مما يقدم من طعام في كثير من المناسبات لا يلمس ولا يجد له مكاناً في هذه البطون المتخمة، وهكذا يتم رمي الفوائض في محاضن ومكبات الزبالة، ونسأل الله ألا يؤاخذ العقلاء منا بما يفعل "المهايطيه" من السفهاء.
والإسراف عندنا يأخذ مداه في معظم مناشطنا ومناسباتنا، ومن ذلك مناسبات الأفراح والزواج وحفلات التخرج بل وحفلات الخلع، وكل ذلك بمجمله يشكل عبئا وحرجاً اجتماعياً على غير القادرين من الجنسين، ما يسهم في ازدياد تفشي العزوبة والعنوسة، وجدير بالذكر أن المظاهر صارت عادة محلية من خلال سعي الجميع واندماجهم في ظاهرة الاستهلاك وتحول الكماليات والقشريات الشكلية إلى حاجات أساسية لا تكتمل "الفشخرة" من دونها.
كانت أجيالنا السابقة من الآباء والأجداد تتولى بنفسها أداء كل الوظائف التي تم إيكالها أخيراً إلى المربية والشغالة والسائق والعامل والخياط والحلاق وغيرهم ممن صرنا في وجودهم ننام ملء جفوننا عن شواردها ويسهر العمال جراها ويختصموا.
لكن آخر ما لفت نظري في هذا السياق خبر نشرته صحيفة عكاظ عن النية لاستجلاب روبوت آلي ليتولى تنظيف دورات المساجد.
ومعلوم لدينا جميعاً أننا نتفوق في موسوعة جينس للأرقام القياسية – لو سجلنا – في أن لدينا أوسخ وأقذر دورات مياه في العالم، والأمر والأدهى أن تفوق دورات المياه هذه في معدل القذارة يرتفع بشكل ملحوظ في قطاعي التعليم "المدارس" والمساجد.
والغريب أن المسجد بروحانيته والمدرسة بمناهجها عجزا عن تعليمنا وتدريبنا على هذا السلوك الإنساني المتمدن والمتدين.
لكن لا يبدو أن تعليمنا ولا مسجدنا قادران على التأثير في نفوسنا، ويظهر هذا جلياً في توحشنا سلوكياً فور خروجنا من المسجد أو المدرسة.
لا أدري هل ظلمت الطفرة؟ أم ظلمت التعليم أم ظلمت التلقين والتوجيه الديني؟ لكن الأكيد أننا لا نصنع لأنفسنا شيئاً، بل لقد قاولنا الآخرين على أن يصنعوا لنا كل شيء، وآخر هؤلاء الروبوت الآلي.
أكثر ما أخشاه أن يتطور أمر الاتكالية فنعمد إلى استقدام روبوتات تقضي عنا "الحاجة" أكرمكم الله.