إنها حلم كل إعلامي يسعى إليه جاهدا، وقد يعرض نفسه للمخاطر أحيانا والعداء أحيانا أخرى، وقد يجد نفسه بين ليلة وضحاها قد أصبح في وسط العاصفة، من الممكن أن يكون استعد لها أو لا يكون. التركيز هنا يجب أن يتمحور حول أنها تقوم بتسليط الضوء على قضية وتحولها إلى قضية ساخنة، بغض النظر عن إن كانت تسعى للكشف عن حقيقة أو مجرد تضليل. في سياق الحدث نجد في كثير من الأحيان وبأدلة من الإعلام نفسه أن تلك الخبطة قد تسببت في إيذاء فرد ما أو شريحة ما من ضمنها صاحبها، أو أيقظت مجتمعا، فأولا وأخيرا لا بد أن يكون هنالك رابح كما هنالك خاسر من كل تلك الزوبعة، المهم هنا دور المتلقي.
نعلم أن لكل خبطة إعلامية ثمنها، على الإعلامي نفسه، ولكن ماذا عن المجتمع وأفراده؟ قد يختار أن ينجرف وراء التيار ويهلل أو يغضب ويشجب، أو قد يقف متفرجا إلى أن ينتصر فريق على الآخر ليتخذ قراره، أو أكثر من ذلك قد يبدأ البعض بالتحرك ويأخذ الموضوع إلى التفعيل من جهة أن يقوم بأعمال جدية كي يوقف أو يدعم القضية، وهنا ما زلنا في السليم، ولكن ماذا عمن يتحرك بسلبية مطلقة، ويتعدى على الآخر بطرق مختلفة.
النقطة هنا أن هذا التعدي قد يأخذ منحنى ويتعدى الخطوط الحمراء للأمن الاجتماعي، بل الإنساني ليصل إلى التصرف غير المسؤول والخطر بحجة أنه يحمي ويصلح!
هنا نسأل: هل حسب الإعلامي خلال نشوته في التوصل إلى الخبطة الإعلامية، ردة الفعل على تنوعها ومستويات الخطورة التي قد تجر البعض للوقوع فيها؟ لا أحد يستطيع أن يدخل إلى ضمائر أو نفسيات الإعلاميين، وعليه يجب عدم التحرك بناء على التخمين ورسم السيناريوهات التي ستأخذنا خارج إطار القضية ويتحول الأمر إلى مواجهات شخصية، ولكن على الأقل يجب هنا على المتلقي أن يكون حذرا ولا يكون سلبيا ويأخذه الحماس سواء كان مع أو ضد، عليه أن يبدأ سلسلة من التساؤلات بحيث لا يجعل تلك الخبطة الإعلامية تُسيره بل هو من يشرحها ويحللها ويدرسها بدقة.
كما للإعلام أسلحة، لنا نحن المتلقين أيضا أسلحة تكمن في: من، أين، لماذا الآن، ومع من، لما لا، ما الهدف، من المستفيد، ماذا بعد...إلخ، لنخلق الأسئلة من أسئلة ولنواجه أنفسنا قبل غيرنا، المهم أن نجعل من هذه الخبطة الإعلامية في صالحنا، أن نجعلها تحرك الفكر بداخلنا وتجعلنا نبحث ونتقصى قبل أن نحكم، وهنا مربط الفرس.
قبل أن نتوصل إلى أي حكم لنعصر كل جزء، بل كل خلية من المعلومات التي عرضت، إلى أن نجففها على قدر الإمكان ولا نترك أي فرصة يتسلل منها أمر يفرض علينا كأمر واقع لمجرد أنه فاجأنا.
لا يوجد أحد غير مستعد لتلقي أي معلومة، كل ما في الأمر هو وجود تقبل أو رفض مسبق! ما وصلنا إلى هذه المرحلة من حياتنا دون خبرات والخبرات تحتاج تفكير، قد نكون ممن يستخدم العقل أو قد نكون من يستخدم المشاعر، ولكن مجرد أننا لدينا خبرات يعني أننا لدينا عقل يفكر، يرتب هذه الخبرات حسب الأولويات أو التأثير لاستخدامها فيما بعد، وطالما أننا نفكر إذًا نحن قادرون على التساؤل والبحث، فالقضية ليست مسألة "مقدرة" القضية هي مجرد "رغبة".
ما قامت به الإعلامية بدرية البشر مؤخرا باستضافة الشيخ أحمد الغامدي ليس سوى خبطة إعلامية بكل جدارة، ولا يحق لأحد أن يأخذ منها ذلك، لكن من حقنا أيضا كمتلقين أن نستخدم ذلك في مصلحتنا، سواء كنا مؤيدين أو معارضين، بالتأكيد ليس بالانقسام والتنافر بل بالحوار، لقد حركت الإعلامية بدرية البشر المياه، والقرار في يدنا إما أن نغرق أنفسنا أو نركب الموجة ونوجه نحن دفة الاتجاه إلى شط الأمان كمجتمع.
طالما أن الموضوع تسبب في كل هذه الضجة والحراك، فهذا يعني أنه كان مدفونا تحت رمال متحركة لا نعلم متى كانت ستنفجر في وجوهنا وعلى أي شكل، بل إنه يجعلنا نفكر، كم من المواضيع ما زالت مدفونة؟ ومنذ متى؟ وتحت أي ظرف ستكون الخبطة الإعلامية التالية التي ستتناوله؟
لنستغل الفرصة ولنعمل على بناء مناعة من هذه التجربة، ولن تكون مناعة قوية إلا بالتحلي بالعقلانية والموضوعية والتعامل معها بكل شفافية وتبصر، ولنتذكر أنه لا يوجد أحد على وجه هذه الأرض يمكن أن يفرض رأيه علينا دون رغبة منا بذلك، فإن اقتنعنا أو لم نقتنع هذا أمر عائد إلينا، فلا نخف ولنتوقف ونسأل، وإن لم يأتينا الجواب، لنبحت بأنفسنا، لنواجه الحجة بالحجة والدليل بالدليل. ولكن لا نسمح خلال كل ذلك بأن نخسر أيَّا من الأخلاقيات أو المبادئ، ولا نسمح بأن نخسر أنفسنا كمجتمع فيه اختلاف لكن فيه أيضا وحدة.