لأن عدوى النجاح لا تختلف كثيرا في انتقالها عن عدوى الفشل، لجأت دول العالم إلى تطوير أجهزتها الحكومية، ودعمها بالكفاءات الوطنية، وتشجيعها على تطوير ذاتها وتحقيق أهدافها، لتصبح مثلا ناجحا يُحتذى به وسدا منيعا يحتمى إليه.
من أصل 37 جهة رسمية في المملكة، نفتخر في هذا الوطن بنجاح خمسة أجهزة حكومية، تستحوذ بمجموعها على 19% من ميزانية الدولة ويعمل فيها 14% من عدد موظفي القطاع العام، لتسهم مع بعضها البعض في تشكيل منظومة متسقة والسهر على حماية خط دفاعنا الأول لدحر أعداء الوطن بكل صبر وثبات وجهد وإتقان.
في مقدمة هذه المنظومة تأتي وزارة الداخلية، التي صادقت على 16 معاهدة دولية وأطلقت 18 مبادرة وطنية لاجتثاث شأفة الإرهاب بكافة أشكاله وفئاته، فتفوقت في ضرباتها الاستباقية على دول العالم كافة، لتحبط أكثر من 95% من العمليات الإرهابية قبل حدوثها، وتلقي القبض على مئات الإرهابيين وتحاور آلاف التكفيريين. وفي مجال ترويج المخدرات، نجحت وزارة الداخلية خلال العام الماضي فقط في القبض على 1197 متهما لتورطهم وضبط ما في حوزتهم من موبقات، بلغت أكثر من 41 مليون قرص من أقراص "أمفيتامين"، و37 طنا من الحشيش المخدر، و17 كيلوجراما من الهيروين الخام، و526 كيلوجراما من مادة الكوكايين عالي النقاوة، وستة كيلوجرامات من مادة الشبو المخدر، و741 ألف قرص من الأقراص الخاضعة لتنظيم التداول الطبي.
وتأتي مصلحة الجمارك السعودية، التي طالما كانت ولا زالت خط دفاعنا الأول، لتحقق المرتبة الأولى عالميا في ضبط وإحباط تهريب أكبر كمية من حبوب "كبتاجون"، التي بلغت 7902 كيلوجرام، والمرتبة الثانية في ضبط وإحباط أكبر كمية من مادة "أمفيتامين"، التي فاقت 977 كيلوجراما، والمركز الثاني عالمياً في ضبط وإحباط 374 حالة تهريب أسلحة وذخائر إلى داخل المملكة.
في مجال مكافحة الغش التجاري والتقليد، تواصل الجمارك السعودية تقدمها بكل صبر وثبات للعام الرابع على التوالي بين دول منظمة الجمارك العالمية، البالغ عددها 179 دولة، لتحقق المركز الثاني في ضبط 4153 من المواد المخالفة لحقوق الملكية الفكرية، التي اشتملت على أكثر من 88 مليون قطعة مقلدة. ففي الربع الثالث فقط من العام الجاري، فاق إجمالي ما تم ضبطه من مواد مغشوشة ومقلدة 25 مليون وحدة، كما زاد إجمالي الكميات المرفوضة لعدم مطابقتها للمواصفات والمقاييس 28 مليون وحدة. هذا في الوقت الذي ارفعت فيه عدد محاضر الضبط مقارنة بالربع الثاني للعام نفسه بنسبة 4% بينما ارتفعت الكميات المضبوطة بنسبة 14% وارتفعت أقيام الكميات المضبوطة بنسبة 10%.
وتأتي وزارة التجارة والصناعة في مقدمة الأجهزة الخدمية، لنجاحها في إعادة حقوق 14509 مساهمات في المساهمات العقارية المتعثرة، واستعادة 2500 مليون ريال بعد تصفية أكثر من 26 مساهمة خلال تسعة أشهر فقط، ليصل عدد المساهمات التي تم تصفيتها إلى 96 مساهمة. وفي المجال التجاري تفوقت الوزارة في حرصها الشديد على المستهلكين، فأغلقت عشرات المنافذ التجارية وشهرّت بأصحابها، وقضت بنسبة 70% على ظاهرة إصدار الشيكات بدون رصيد، وأبدعت في ملاحقة ومعاقبة مروجي السلع المغشوشة وأرباب الاحتكار والمغالين بالأسعار. وهذا أدى إلى احترام النظام وتنظيم السوق ودفع الأذى عن المستهلك، الذي يعاني من السلع المغشوشة، التي تصل إلى نسبة 19% في قطاع الأدوية و25% في قطاع السيارات و26% في المواد الغذائية و67% في البرمجيات. لذا قامت الوزارة بتسخير برنامج إلكتروني ذكي لحماية المستهلك من الغش التجاري، ليكون حلقة وصل سريعة بين الوزارة والمستهلك على الهواتف النقالة، تشمل عرض أسعار المنتجات، وأنظمة الوزارة، وإمكانية تقديم البلاغات والشكاوي، وتحديد مواقع مراكز حماية المستهلك لتسهيل وصوله إليها، وعرض آخر الأخبار والمعلومات التجارية، مع إمكانية إضافة خاصية الاطلاع الفوري على البلاغات.
ونظرا لما للمواصفات والمقاييس والغذاء والدواء من أهمية قصوى لصحة المستهلك، تقف كل من الهيئتين لصد السلع المخالفة دون هوادة طبقا للاتفاقات الدولية. في العام الجاري بلغ عدد المواصفات القياسية السعودية المعتمدة 28488 مواصفة قياسية، بينما ارتفع عدد المواصفات القياسية الخليجية المعتمدة 10599 والعربية 9247 مواصفة قياسية. وتزامنت صدور هذه النتائج مع زيادة عدد المصانع المرخص لها باستعمال علامة الجودة إلى 268 مصنعا، إضافة إلى اعتماد 78 مختبرا من المختبرات الخاصة لفحص السلع المستوردة والتأكد من مطابقتها للمواصفات القياسية السعودية.
وتشاركنا الهيئة العامة للغذاء والدواء بنجاحها كصمام أمان لخط الدفاع الأول، من خلال مهامها الإجرائية والتنفيذية والرقابية لضمان سلامة الغذاء والدواء، وسلامة المستحضرات الحيوية والكيميائية، والمنتجات الإلكترونية، إلى جانب الأجهزة الطبية والتشخيصية، ووضع المواصفات القياسية الإلزامية لها سواء كانت مستوردة أو مصنعة محليا، وتوعية المستهلك. ونظرا لأن واردات المملكة من الأغذية تشمل حوالى 11 ألف نوع من السلع والمنتجات الزراعية والحيوانية، فإن الهيئة تقوم بسحب أكثر من 60 ألفا من العينات الواردة إلى المملكة من كل نوع على أساس تقييم المخاطر، والتي تخضع إلى حوالى مليوني تحليل طبقا لنوع وطبيعة الغذاء والملوثات التي قد تصل إليه.
علينا جميعا أن ننجح في أعمالنا ونحقق أهدافنا، ليس لضخامة المسؤولية الملقاة على عاتقنا فقط، بل لأن هذا الوطن أصبح في عصر العولمة مستهدفا من الأعداء في الخارج والوسطاء في الداخل. فهل تصيبنا عدوى النجاح التي حققتها أجهزتنا الحكومية الخمسة؟