فتحت الزيارة الأخيرة للبابا بندكتس لبريطانيا جدلا هائلا ونشاطا مدنيا وإعلاميا كبيرا حول الكنيسة الرومانية في الفاتيكان والكنائس التابعة لها في كل أنحاء العالم. تركز الجدل على عدة قضايا من أهمها قضايا اغتصاب الأطفال، العلاقات الجنسية للقساوسة، والفساد المالي أيضا. خرج الكثير من الناس في مظاهرات وفي الإعلام الجديد والتقليدي للتعبير عن الكثير من الاحتجاجات على أوضاع الكنسية الكاثوليكية اليوم. ليس باعتبار قدرتها على نشر المسيحية بل باعتبار احترامها لحقوق الناس واستغلالها للدين لتغطية الكثير من الأعمال الخارجة عن القانون. الكثير من التعليقات انطلقت من خلفية ضرورة قيام الكنيسة بإصلاحات كبيرة تتعلق بمراقبة رجال الدين ومحاسبتهم، الأمر الذي يبدو أن الكنيسة لا تزال متساهلة به كما أنها لا تزال تغطي تحقيقاتها الداخلية بغطاء سري يجعل من عملية مراقبتها من قبل الرأي العام غير متيسّرة.

في أمريكا، وفي ذات الوقت، تتم محاكمة القس "إدي لونج" على خلفية اتهامات تتعلق بعلاقات جنسية مشبوهة. تغطيات القضية من قبل الإعلام الأمريكي تناولت أيضا الأوضاع المالية لرجال الدين في أمريكا وعن الثراء الباذخ الذي ينعمون به وعلاقة ذلك بكونهم رجال دين يحظون بثقة كثير من الناس مما يجعلهم يفتحون لهم جيوبهم بشكل واسع. لا يزال هذا الموضوع موضوعا مقلقا للرأي العام الغربي باعتبار أن هذه الفئة من المجتمع غالبا ما تحظى بهالة تغطي أعين الناس عن التجاوزات التي قد يقومون بها مما يجعل من محاكماتهم قضايا تستحق الدعم والتشجيع وربما تحفيز لآخرين قد يترددون في رفع قضايا مماثلة على رجال الدين بدعوى أنهم أولياء الله الصالحين.

من المهم هنا التركيز على أن القلق من حصول رجال الدين على حالة استثنائية تجعلهم يفلتون بجرائمهم، لا يزال قائما حتى بعد قرون من إبعاد الكنيسة عن السلطة السياسية في أوروبا وأمريكا. أي أنه بحسب قوانين الدول الحديثة فإن الكنيسة تعتبر مؤسسة ضمن مؤسسات المجتمع لايحق لها التمتع بأي وضع استثنائي عن أي مؤسسة مدنية أخرى. يأتي هذا التغيير كانقلاب على الوضع السابق في أوروبا حين كانت الكنيسة تتمتع بسلطة سياسية وتنفيذية هائلة تجعلها فوق يد القانون، بل إنها كانت هي القانون والمنفّذ في ذات الوقت.

من هنا نفهم هجوم البابا على العلمانية في زيارته الأخيرة لبريطانيا، فلولا هذه العلمانية لما أصبحت زيارته أشبه بزيارة غير مرحب بها شعبيا، لولا هذه العلمانية لتحرك البابا في العالم كما لو كان إلها يتفقد مخلوقاته. اليوم لا تختلف زيارته عن زيارة أي مسؤول كبير تحوم حوله الكثير من التساؤلات. في الدول العلمانية لم يعد القانون يفرّق بين رجل دين ومواطن بسيط، فقانون المساواة الإنسانية هو الميزان الذي تضبط فيه العلاقة بين الأفراد بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى. هذا التغيّر في الفكر الأوروبي أنهى عصورا طويلة من تسلّط رجال الدين على الناس، أو من تسلط أي فئة أخرى، سياسية، اجتماعية على الناس باسم الدين، أعني أنه تم تجريم هذه الممارسات بكل وضوح وصراحة. لقد تم التنبه مبكرا على أن الدين ذو تأثير هائل على الناس ومن الخطورة الكبيرة استخدامه كأداة تأثير على الناس ضمن صراعات الحياة. المعادلة السابقة كانت كالتالي: أنا رجل الدين، أستمد فكري وآرائي من الله والاعتراض عليّ هو بالتالي اعتراض على الله. هذا هو المبدأ الأول لسلطة رجل الدين وإن تم إخفاؤها كثيرا تحت كثير من العبارات المموهة.

إلا أن القضية ليست محصورة في رجل الدين بقدر ما هي عامة لكل صاحب سلطة، فالرقابة المكثفة على أصحاب السلطات هي سرّ العدالة لأكثر من سبب؛ من أهم هذه الأسباب أن أصحاب السلطة لديهم إمكانية للتهرب من المسؤولية والمحاسبة من خلال ممارستهم لسلطاتهم. ثم إن تجاوزات أصحاب السلطة تكون في الغالب تجاوزات هائلة وذات ضرر كبير على الحقوق العامة والخاصة. وأهم من هذا كله أن فساد صاحب السلطة يتسبب في فساد المكان الذي يعمل فيه كما يتسبب في فساد الجهات المتصلة به. أي أن فساده ذو قدرة على خلق بيئة وثقافة وتقاليد وعادات ونمطية من الفساد تجعل من الفساد الوضع الطبيعي ومن الشفافية والوضوح وضعا استثنائيا غريبا يشعر متبنيه بالاغتراب والضعف. لكل هذا فإن محاسبة الشخصيات العامة تبقى في أولوية أي نظام عادل وأي ثقافة تنتشر فيها أفكار المساواة والعدالة.

ما يجري في الغرب اليوم من مساءلات كبيرة لرجال الدين تجعلنا نطرح سؤالا مقابلا لا يمكن الفرار منه: ما حال الرقابة على أصحاب السلطات عربيا وإسلاميا؟ رجال دين وغيرهم؟ ستكون الإجابة مؤلمة بالتأكيد ولكن الألم الأكبر يأتي من عدم وجود قلق تجاه أوضاع وأحوال الشخصيات العامة في المجتمع تحت قانون " من حصّل شيئا يستاهله (استحقه)". هل تطرح في الثقافة العربية اليوم تساؤلات جادة ومطالبات قانونية حول ثراء رجال الدين المفرط أو غيرهم من الشخصيات العامة؟ وهل يتم تحفيز الناس على التقدم بشكاوى قضائية ضد شخصيات عامة تجاوزت عليهم؟.