الهجوم المروع الذي قامت به جماعة (طالبان باكستان) يوم الثلاثاء (16 ديسمبر) ضد مدرسة في مدينة (بيشاور) فاق جرائم هذه الجماعة في الماضي في وحشيته، ثم بجاحة الجماعة في تبريره والافتخار بما قامت به. وهو ما يتطلب ردا قويا من المسلمين في كل مكان للتبرُّؤ من هذه الجماعة الإرهابية، ووحدة وطنية في باكستان لمواجهة إرهاب هذه الجماعة مواجهة حازمة.
وحسب التقارير الرسمية والصحفية، هاجم تسعة مقاتلين من الجماعة مدرسة تقع في إحدى ضواحي (بيشاور)، وهي مدرسة مدنية للأطفال (تتراوح أعمارهم بين 5 - 17 عاماً) تديرها القوات المسلحة الباكستانية. وخلال ثماني ساعات قاموا بقتل نحو (145) شخصاً، منهم (132) طفلاً، وجرح نحو (124) آخرين. وهذه الأعداد مرشحة للتغيير بعد التحقق من هويات الضحايا وتمشيط مسرح الجريمة.
ووفقاً لتلك التقارير، بدأ الهجوم الساعة العاشرة صباحاً حين هجم المسلحون التسعة على المدرسة مرتدين الزي العسكري، ولم يحاولوا أخذ رهائن بل استهدفوا تجمعات الطلبة وبدأوا في إطلاق النار. ولم يمت الأطفال نتيجة رصاص طائش أو خطأ في التصويب، بل كان قتلهم مقصوداً متعمداً. بدأ المعتدون بإعدام عدد من المعلمين بطريقة وحشية وإحراق أحدهم أمام الطلبة، ثم قاموا بإعدام الطلبة بإطلاق الرصاص على رؤوسهم وتفجير القنابل اليدوية في تجمعاتهم. وبعد تدخل الجيش قام الإرهابيون بتفجير أحزمتهم الناسفة. ولولا تدخل الجيش لربما أجهز المعتدون على بقية طلبة هذه المدرسة البالغ عددهم نحو الألف.
ونقلت وكالات الأنباء عن بعض الشهود أن الإرهابيين كانوا يتكلمون خليطاً من لغة (البشتون) واللغة العربية، مما قد يؤشر إلى وجود جنسيات مختلفة بينهم.
سارعت جماعة (طالبان باكستان) بإعلان مسؤوليتها عن الجريمة، مفتخرة بها على ما يبدو. فقال (محمد خراساني)، الناطق باسم الجماعة إنهم استهدفوا هذه المدرسة لأنها مدرسة يلتحق بها أبناء الجنود والضباط الباكستانيين.
ومن الغريب أن هذه المجموعة تتلبس بلباس الإسلام، ناسية أن الإسلام قد أكد مبدأ حصانة المدنيين، خاصة الأطفال، وعدم جواز استهدافهم، كما كان الخليفة الراشد أبوبكر الصديق - رضي الله عنه - يوصي أمراء الجند قبل رحيلهم للقتال، ومن ذلك وصيته لأسامة بن زيد - رضي الله عنه - حين أنفذه لقتال الروم وحلفائهم. ترد هذه الوصية في كتب التاريخ بصيغ مختلفة، أشهرها قوله: "لا تخونوا ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا. ولا تقتلوا طفلا ولا شيخا كبيرا ولا تعزقوا نخلا ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة. ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا للأكل. وإذا مررتم بقوم فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له". ولعلك تذكر أن إنفاذ الصديق لجيش أسامة جاء في وقت عصيب في تاريخ الإسلام، بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، والمدينة المنورة مهددة، فالقبائل المعادية تحيط بها، والمنافقون يتربصون، فضلاً عن الروم وحلفائهم، ومع تلك التهديدات وضعف القوات الإسلامية ألزمهم أبوبكر بتجنب إيذاء من ليس مقاتلاً.
وهذه المبادئ أصبحت اليوم من مسلمات قواعد الحرب، وقُنّنت في الاتفاقيات والمواثيق الدولية، ولكن طالبان تبدو جاهلة بها أو رافضة لها.
ثم ادعت طالبان أنها قامت بهذا الفعل المشين رداً على استهداف الجيش لأسر المقاتلين في (شمال وزيرستان)، فقال ناطقهم الرسمي خراساني إن مجلس شورى الجماعة قرر استهداف المدرسة لإيصال المعركة إلى بيوت العسكر الذين يتولون الحرب ضدهم. أي أن الجماعة تأخذ هؤلاء الأطفال بجريرة الجنود الذين يقاتلون الجماعة في معاقلها وتدّعي أنهم يستهدفون نساءهم وأطفالهم. وعلى فرض صحة ما تقوله الجماعة، فإنها هنا أيضاً تخالف مبدأ آخر أكده القرآن الكريم، هو مبدأ المسؤولية الفردية وعدم جواز أخذ أحد بجرم آخر، مهما كانت الظروف (لا تزر وازرة وزر أخرى)، مبدأ أكده التنزيل الحكيم نصاً خمس مرات على الأقل. فكيف تُعاقب هؤلاء الأطفال الأبرياء على أفعال لم يرتكبوها وربما لم يعلموا بها؟
وترى المفارقة الثالثة في عداء طالبان - على الرغم من اسمها المضلل - للعلم. فعلى مدى السنوات الماضية، فجّرت طالبان أو أحرقت مئات المدارس في باكستان. واعتدت على بنات المدارس ومن ينادون بتعليمهن. وفي الوقت نفسه، هاجمت بصفة منتظمة المراكز الطبية التي تقوم بالتطعيم ضد شلل الأطفال، إذ تعتبر ذلك مخالفاً للإسلام!
وخلال الهجوم، وصل رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف إلى (بيشاور) واجتمع مع قادة محليين من مختلف الأحزاب، ودعا بعض المسؤولين المرافقين له إلى تحقيق (إجماع) وطني لمواجهة الجماعة المسلحة، في إشارة إلى تردد بعض القيادات الباكستانية حيال الحرب القائمة ضد الإرهاب، خاصة الزعيم المعارض (عمران خان) الذي يحكم حزبه مقاطعة (خيبر - بختونخوا) وعاصمتها بيشاور. وقد أدى هذا التناحر السياسي إلى إضعاف قدرة الحكومة أحياناً على مواجهة المتطرفين. ولا يخفى عمران منافسته الشديدة لنواز شريف وعدم موافقته على المواجهة العسكرية مع الجماعة. ومع أنه نادراً ما وجه اللوم لهذه الجماعة في الماضي، فإنه انتقدها بشدة بعد هجوم يوم الثلاثاء وقال إن عليها أن: "تقاتل الرجال، وليس الأطفال الأبرياء".
ولعل هذه الحادثة تُسهم بالفعل في تحقيق إجماع وطني في باكستان لمواجهة الإرهاب بجميع أنواعه، وأن تتعزز المواجهة على جميع المستويات، عسكرياً وسياسياً وفكرياً ودينياً.
وهذا الإجماع يجب ألا يقتصر على باكستان وحدها، بل يشمل الدول الإسلامية كافة. فلما كانت هذه الجماعة تتلبّس باسم الإسلام وتدّعي أنها ترتكب هذه الجرائم الشنعاء ذوداً عنه وإعلاءً لكلمته، فإن واجب المسلمين - سياسيين وعلماء ومفكرين - أن يفندوا مقولاتها ويعرّوها كجماعات إجرامية تجهل الإسلام الصحيح بل تحاربه وتشوّه سمعته.
وإن تحقق ذلك، وتمكنت باكستان من دحر الإرهاب وحقن الدماء، فإن دم الأطفال الأبرياء في مدرسة بيشاور لن يذهب هدراً.