الصخب السمعي والبصري الذي تعانيه العيون والآذان هذه الأيام بسبب "قضيتنا الأزلية" ـ المرأة ـ تؤثر في تلافيف الدماغ، فيبدأ في استعادة صداها حتى ونحن في غياهب النوم، ولذلك رأيت فيما يرى النائم أن أحد أطبائنا المخصتين في مرض "السكري"، والذي اشتهر بنصائحه الدائمة للمرضى، وقوائمه الغذائية التي تسهم في التخفيف من المرض، كان جالسا في مكتبه يشاهد برنامج "عراك" في قناة فضائية، جمع فيه المذيع أشخاصا عدة يتنافسون في الصراخ، وأمامه صحيفة يومية تتصدر صفحاتها دراسة طبية غربية، تنسف كل وصاياه للمرضى، وتضع أدويته التي يوزعها بابتسامة الواثق في سلة المهملات التي تلامس قدمه. قرأ الخبر الصحفي بعين، وعينه الأخرى على القناة الفضائية، ثم وضع الصحيفة جانبا، وبدأ يبحث في الإنترنت عن كتب التراث المتعلقة بموضوع "عراك" الذي تبثه القناة الفضائية، لعله ينتصر لرأي أحد "المتعاركين". أما خبر الصحيفة الذي "يكذّب" كل ما تعلمه من كتب أطباء غربيين آخرين، فقد قام بتمزيقه حتى لا يراه أحد من رواد العيادة.

كان يحدث نفسه لحظتها: الشباب في مجموعة "واتس أب" ينتظرون رأيي "الشرعي" حول الموضوع.. المشكلة أن يسبقني واحد "داشر" مثل "أبوهاجوس" وينشر آراء "العلماء" التي جاءته باردة مبردة من صديقه "أبوكاب".

وفجأة جاءه سؤال على هاتفه من أحد المرضى الذين يتواصل معهم بالنصائح اليومية: ما رأيك يا دكتور بما نشر اليوم في صحيفة "...." من نتائج دراسة حديثة عن مرض السكري؟.

نظر طويلا في الرسالة، ثم شعر بالعجز في الرد.. مشكلته الأسوأ أن النظام الجديد لـ"واتس أب" يكشف أنه قرأ الرسالة، فلا مجال للتهرب لاحقا بأنه لم يقرأ رسالة المريض الذي لا تسمح له آلامه اليومية بمشاهدة برنامج "عراك" الفضائي.

فكر مليا ثم رد على المريض: أنا الآن "مشغول" بأمر أهم، سأحاول التواصل بعد يومين مع مرجعي العلمي "البروفيسور هونق وانق" لعله يجد لي ردا "مفحما" "يلقم" هذا الباحث الأميركي حجرا، فلا يعود يتطاول على "أسياده" بمثل هذه "الترهات".

قرر أن يسهر حتى الفجر حتى يستخرج آراء علماء بعضهم متوفى قبل ألف سنة، وهو ما تم بالفعل حيث ساعدته كثيرا برامج البحث الإلكتروني.. ومع أذان الفجر انتهى من الجمع، وبدأ في التنسيق، حتى "يصعق" مجموعة "قروب الاستراحة" بالرد "العلمي".

لكن المفاجأة التي صعقته هو، هي أن "أبو هاجوس" فعلا سبقه برد أخذ صفحات عدة، بل الأسوأ أن الردود كلها تقول "جزاك الله يا شيخ أبوهاجوس على هذه الدرر".. أما أحدهم: فوضع علامة سخرية تبعها بتساؤل: أين أنت يا دكتور "الغفلة"..؟

[email protected]