من يتابع منصات التواصل الاجتماعي يجد أن هناك انفصالا ملحوظا بين ما يناقش فيها وبين الأولويات التي يجب أن يركز عليها الوطن بجدية في هذه الفترة الحساسة التي يمر بها على وجه الخصوص والمنطقة بالعموم، فنجد أن ما يتصدر المشهد الحواري والخلافي لا يتجاوز النظر للأمور بشكل غالبه سطحي، بحيث لا يُحدِث تأثيرا حقيقيا في المجتمع ولا ينتج حلولا مفيدة نحو التقدم والإصلاح الحقيقي الذي تنشده الدولة والمواطن، فجل تلك الحوارات تتحرك وفق التوجهات الفكرية التي تحركها أجندات هذه الجماعة أو تلك، فنجد أن التركيز على المسائل الجوهرية غالبا ما يناقش بسطحية وسذاجة منطلقة من موقف محدد مسبقا مع أو ضد هذا الموضوع أو ذاك.

ولا بأس في ذلك خصوصا إذا ما علمنا أن الأغلبية التي تستخدم تلك المواقع ليسوا إلا مواطنين محدودي الثقافة والاطلاع، يستقون مواقفهم من رأي شخص أعجبوا به أو قراءة خبر في صحيفة صيغ بشكل موجه، أو رأي كاتب -كمن يسطر هذه السطور- يبدي وجهة نظره وفق قناعته الشخصية أو ثقافته وما وصل إليه من معلومات قد يكون بعضها غير دقيق أو صحيح. فمن غير المنطقي إذاً المطالبة أو توقع أن يكون الجميع مطلعا أو واعيا بكل التفاصيل، كما أنه من غير المنطقي التصور أن كل ما يكتب بالضرورة سيؤدي إلى التغيير والتأثير المنشود.

النقاشات الفكرية تجتذب الكثيرين لأنها تعتمد على التحليل الشخصي والرؤى الفردية لما يجب أن يكون عليه العالم من حولنا، بينما النقاشات في الأمور الحياتية تتطلب نظرة أكثر إدراكا لواقع الحياة إداريا وقانونيا وإجرائيا، إضافة لأهمية تقديم حلول عملية وفق ذلك ليمكنها أن تجد طريقها للتطبيق، وتكون قادرة على الصمود أمام اختبارات التجربة والنقد العملي، ولذلك نجد أن المهتمين بهذا الجانب هم قلة باستثناء هؤلاء الذين يقدمون حلولا نظرية لا يمكن النظر إليها بجدية ما لم تكن قادرة على الوقوف أمام اختبارات التجربة.

نقاشات عملية حول قضايا الفساد والإرهاب وتطوير التعليم والشفافية والمحاسبة والرقابة الحكومية والتخطيط الاقتصادي، وقوانين محاربة الطائفية والعنصرية، وتنمية سوق العمل، وتطوير القضاء، وحرية التعبير وغيرها تعد من الأولويات كما أراها والتي يجب أن يهتم بها المتحاورون، أما قضايا الخلافات الطائفية والفقهية والفكرية فهي قضايا عميقة ومتجذرة في التاريخ، لا يمكن حلها بتغريدة عابرة، بل تحتاج إلى دراسات محكمة وتبن حقيقي لها من قبل الدولة.