لم يعد مهما أن تكتب أو تقرأ أو تتخصص أو تتبنى مشروعا فكريا إبداعيا ثقافيا ما، ذلك يستهلك زمنا، والزمن لم يعد يملك حتى نفسه من سرعة إيقاع الحياة وتغييراتها.
كانت فكرة النضوج والاختمار والخبرة مهمة في كل مشروع إنساني فكري حياتي سلوكي، حيث تؤثر الخلاصات المعرفية والمكتسبات الحياتية في الآخرين وتكسبهم تقنيات إضافية في منازلة الحياة والصمود بوجه انعطافاتها، واليوم يشطب هذا الشرط المهم في ما يخص الكتابة. صارت الاندفاعة البكر المحاطة في الأغلب بجهالات البدايات ما يجذب أكثر. أصبح الخبرة والتراكم يستهلكان وقتا وجلدا ويخلقان رتابة لا تغري، إضافة إلى ما يمكن تسميته بجاذبية المشافهة التي حولت الجميع إلى مشاريع صوتية، تكتب وتدون وتتفاعل بأصواتها لا غير. استنفدت طاقة المشافهة الجميع فيما جاءت المنابر الكثيرة إن تلفزيونية أو إذاعية أو إلكترونية وغيرها إلى استيعاب كل ما ينتج شفاهيا قبل أن يتحول إلى بذرة مباشرة. تراجعت الكتابة الحقيقية إلى مراحل متأخرة وحلت دونها إغراءات كثيرة لحظية الحصد وهذا ما أنتج كثيرا من مشاريع المشافهة المتحركة يمكن ملاحظتها بقوة في جولة يومية سريعة على الشاشات وسواها أو حتى في حياتنا اليومية بدوائرها الضيقة، كالعمل ومنزل وأصدقاء، إضافة لما تم لا يمكن إهمال العوامل السياسية إطلاقا في إشغال الجميع في الورشة الحكائية الهائلة التي تدور في المنطقة منذ سبتمبر 2001، والتي أنتجت اسماء ومواقف منحت أضعاف قيمتها الحقيقية ووسعت دائرة تأثيراتها وخلق منها نجوم وهميون، استسهلت عملية صناعة النجومية الفكرية ما جعلنا اليوم محاطين بهذا الكم الكبير من المحللين والقراء والمفكرين والنخب الوهمية، نتاج مرحلة ما بعد سبتمبر والطاقة الهائلة المفرغة في الهواء بصوتها المرتفع المزعج وغير ذي جدوى والذي جاء لملء فراغ ما قبله.