أقصى حالات التهور والجنون أن يعمد أحد ما إلى مناكفة الدولة في نظامها، أو أن يناكف أهل هذه الدولة في أمنهم ورغد عيشهم، لأنهم في كل حال لن يسمحوا لنزوات فردية أو تطلعات مارقة لقلة من الناس في أن يفرضوا على الأغلبية مشيئاتهم.

ومعلوم أن الاختلاف وارد والخلاف محتمل والتباين بين رغبات الناس موجود وقائم منذ الأزل، وكان ذلك كذلك في دولة الخلافة الراشدة، ثم هو الآن ماثل في أعظم الدول المعاصرة وأكثرها ديموقراطية، لكن الاعتراض والاختلاف في كل حال لا يسوغ العنف ولا يبرر الإرهاب، ولا يستقيم عقلياً الوصول إلى المبتغى من خلال الإرهاب وبث الرعب وإسالة الدماء. ومن هنا وجب مواجهة مثل هذا الشذوذ بقوة مماثلة حتى لا يهتز أمن الجماعة ولا يرتعش استقرارهم. وبسبب كل ما ذكرت فقد واجهت المملكة خلال العقدين الماضيين إرهاب "القاعدة" بعزم وحزم لا يلين، وقد نجحت بشكل لافت في تتبع خيوط المؤامرة وطرقها الملتوية والأزقة التي من خلالها يتم التغرير والتوظيف وتجنيد أدوات التنفيذ، وهم من أبناء هذا الوطن، فيما تصدر التعليمات من كهوف أفغانستان أو أقبية العراق أو سفارات بعض الدول المتطلعة لأدوار لا تحتملها مقاساتها ولا تزال المواجهة قائمة كلما أسفر الإرهابيون عن وجههم القبيح.

لقد كانت عين الأمن الساهرة ترصد كل تحرك وتشم كل استهداف وتصل باحترافية لافتة إلى تتبع خيوط كل التحركات المشبوهة، وقد نجحت في ضرب الرؤوس الكبيرة والصغيرة والمدبرة والمسيرة كما نجحت في نزع الفتيل عن كثير من الجرائم التي كانت مهيأة لإراقة دماء الأبرياء من أبناء الوطن ومن الآمنين المستأمنين، واستطاعت أن تحمي الناس من كثير من مخططات الإجرام ولله الحمد، وما زالت هذه العين يقظة لكل الاحتمالات خاصة مع قرب انحسار شمس "القاعدة" لكنها تتحسب وتحتاط لحركة "داعش" التي سيؤول مصيرها، ولو بعد حين، إلى المصير الحتمي نفسه لكل الحركات والتنظيمات الظلامية التي تعيش في عالم افتراضي لا يتسق ولا ينسجم مع هذا العصر.

وبالمقابل فإن كل العزم والحزم الذي تولته الدولة في مواجهة "القاعدة" وأذنابها يسير في الاتجاه نفسه لمواجهة الإرهاب الذي يطل من بعض الأوكار المؤجرة والمدفوعة في بلدة العوامية، وهي لا تفرق في حزمها وعزمها بين تطرف سني أو شيعي أو غير ذلك.

وربما أن الدولة قد تغاضت في بعض الحالات السابقة عن بعض التجاوزات المنحرفة في العوامية ربما خشية أو تحوطاً في أن لا تستغل المواجهة ويتم توظيفها خارجياً على نحو طائفي باعتبار أن أغلبية سكان العوامية من الشيعة، ومن هنا فقد أخذ بعض المواطنين على الدولة تسامحها في مواجهة متطرفي الشيعة في مقابل حزمها وتشددها في مواجهة متطرفي السنة من مريدي "القاعدة" وغيرها، وربما أن هذا التجاوز وغض الطرف المتعمد قد فهم على غير مقصده من جهة غلاة الشيعة وحسبوا هذا التغاضي ضعفاً، ولهذا فجروا في الخصومة ميدانياً وإعلامياً عبر كل الوسائط، فلما أدركت الدولة سوء الفهم الذي حدث وما قد يؤول إليه من تمدد وتماد فإنها قد عادت لتشديد القبضة الأمنية ووسعت عينها الساهرة لتتولى تباعاً القبض على نمر النمر ثم ما تلى ذلك من مواجهات لهذه الأوكار، ومن جملة ذلك ما حدث أول من أمس من رصد للمتورط في إطلاق النار على الجندي عبدالعزيز العسيري ومحاولة القبض عليه، وقد فوجئوا بإطلاق النار فبادروا بالرد وقتل المتورط وثلاثة إرهابيين غيره.

أجمل ما في خبر أحداث العوامية - رغم أنها تدمي القلب - هو ما حدث من تعاون أبناء القطيف مع الجهات المختصة وتزويدها بالمعلومات التي يسرت كشف المتورطين خلف حادثة قتل العسيري على نحو مكنهم من سرعة الوصول إليهم.

هذه رسالة واضحة من أهالي العوامية في أن الأمن والاستقرار في ظل هذا الوطن المتحد بطوائفه ومناطقه وقبائله أمر لا يقبل المساومة ولا يرتضي التحريض من أي جهة كانت، وأن المواجهة الأمنية الصارمة رسالة واضحة أيضاً وخبر لكل من ألقى السمع وهو شهيد.