تعيش الحياة الفكرية هذا العام على إيقاع الغياب. الموت يدهم ويخطف على نحوٍ متتابع أبرز الأسماء العاملة في الحقل الثقافي والإبداعي من عفيفي مطر وغازي القصيبي والطاهر وطّار إلى محمد عابد الجابري ونصر حامد أبو زيد وأحمد البغدادي.. وأخيرا محمد أركون.

وربما يكون غياب الثلاثي (الجابري؛ أبو زيد؛ أركون) هو الأشدّ وطأة في المجال الفكري. ذلك أنهم من أصحاب المشاريع البحثيّة لدراسة التراث ومساءلته نقديّا وإعادة النظر في جملةٍ من ظواهره التي خلع عليها الزمن رداءً من المسلمّات والقطعيّات، ورفعها إلى مرتبة البداهة التي تأخذ طابعاً تبجيليّا يستحيل ـ عند البعض ـ مراجعتها وإخضاعها للفحص والسبر وموضعتها تاريخيّا في سياقها الاجتماعي والثقافي والمعرفي.

لهذا كان إنتاجهم الفكري محطّ سجال وتجاذب ونقض من أطراف متعددة؛ مرة بحمولة أيديولوجية، ومرّة بحمولة عقديّة، ومرة بدواعي منهجيّة واكتشاف الثغرات في مشاريع لا تنجو من التعميمات الملازمة لاستخراج إطار عام كالذي نجده عند الجابري بأنظمة البيان والعرفان والبرهان.. ومهما يكن السجال الذي أثارته تلك الأبحاث، إلا أنه في إحدى إشاراته دليل على الخلاف وعلى الاختلاف في التعاطي بشأن الأزمة التي يمرّ بها العالم العربي والإسلامي وسبل الخروج منها والانخراط في العصر والتعامل معه كما هو براهنيّته وواقعيّته، ودون تصوّرات مثاليّة ماضويّة؛ تلبي العاطفة والانفعال وتقصر عن العمل والمشاركة واجتراح المخارج الموائمة.

ولأن السؤال الحضاري ماثل ويفرض نفسه منذ القرن التاسع عشر باكتشاف الهوّة المريعة التي تفصل العالم الإسلامي عن العالم المتقدّم في أوروبا الذي أصبح معياراً ومرآة لقياس صورة التأخر ومذكّراً بالشوط الطويل والصعب الذي ينبغي إنجازه لإدراك النقص ولردم الفارق في بعده المادي الواضح بالمقارنة بين وضعيّتي: التقدم والفعالية، والتخلف والجمود.. وبإزاء هذا السؤال المؤرق منذ لحظة الطهطاوي وخير الدين التونسي؛ تتابعت جهود النخب الفكرية نحو مشروع الاستئناف والنهوض بعد السبات الذي صنعته عصور الانحطاط وجعلت حركة المجتمعات العربية والإسلامية راكدة منقطعة عن العالم.

وتحت عنوان الحداثة وإنجاز التقدم في ميادينه المختلفة؛ علميا ومعرفيا واجتماعيا واقتصاديا، التقت المساهمات الفكرية العربية للنظر والبحث في أحوال مجتمعاتها ببُناها المتعددة الرازحة في التقليدية؛ بتقليبها وتفكيكها وبإعادة الاستنبات أو القطع لدخول زمن الحدائة بأبعاده المادية، والعقلية ومفاعيله التي لا بدّ منها حيث العاصفة التي ترجّ الكيانات التقليدية، بوصف محمد سبيلا: "تخرجها من زمنيّتها الرتيبة، التكرارية، النرجسية إلى زمن كوني قوامه التجدّد النوعي والخروج الدائم من المركز". وقد كان العقل النقدي هو الوسيلة الناجعة التي استخدمها مفكرونا العرب لمطالعة تراثهم وحاضرهم؛ بممارسة حريّة التفكير والاستقلال عن السلطة الرسمية والشعبية. وفي هذا التوجّه كانت الضريبة القاسية التي يدفعها دائما كل مفكّر حر خلاق.