تحدثت في مقالات سابقة في هذه الصحيفة عن مفهوم المساءلة العامة واقترحت تطبيق هذا المفهوم بشكل أوسع من قبل الأجهزة الرقابية، وأشرت إلى بعض المعوقات التي تحول دون تطبيقه، منها أسلوب المراجعة المستندية والتي تعتمد عليها كل من وزارة المالية وديوان المراقبة العامة، وإدارات المراجعة الداخلية في الجهات الحكومية في أعمالهم الرقابية.

وبالرغم من فاعلية المراجعة المستندية في الماضي، إلا أنها أصبحت في الوقت الحاضر ومع تطور الإدارة العامة في المملكة، وزيادة نفقات وإيرادات الدولة غير ملائمة للتطورات والتغيرات التي تشهدها المملكة.

ومشكلة المراجعة المستندية تتمثل في كونها رقابة شكلية روتينية، يصعب من خلالها إبداء رأي أو إعطاء حكم على الجهة الحكومية من حيث التزامها بالأنظمة والتعليمات ومدى ملاءمة الإجراءات الرقابية أو تقويم النظام المحاسبي وأنظمة الرقابة الداخلية، وهذا الرأي يمثل جوهر المساءلة، وبالتالي فإن مادة المراجعة هي المستند فقط فالملاحظات تنصب على المستند نفسه وتهمل الأهداف الرئيسية للرقابة المالية الحكومية والتي تهدف إلى التحقق من سلامة العمليات المالية والمحاسبية ككل ومطابقتها للأنظمة والتعليمات السارية.

وللتوضيح أكثر، أجد أن من الضروري التطرق إلى اختصاصات ديوان المراقبة العامة في مجال الرقابة المالية من خلال نظامه المطبق حالياً، ولائحته التنفيذية.

فطبقاً للنظام ولائحته التنفيذية يتوجب على الجهات الحكومية أن ترسل إلى الديوان مستندات نفقاتها وإيراداتها ومستندات المناقصات أولاً بأول، بحيث لا يتأخر إرسال الجدول الحسابي لأي شهر عن حلول نهاية الشهر الذي يليه، وترفق بالجدول الحسابي مستندات نفقات الشهر نفسه.

وعلى ضوء ما سبق يقوم الديوان بمراجعة الجداول الحسابية ومستنداتها المرفقة والمرسلة من قبل الجهات الحكومية، إما محلياً في مقر الديوان وفروعه أو ميدانيا في مقار الجهات الخاضعة لرقابته في بعض الحالات، وسواء كانت المراجعة محلية أو ميدانية فإنها لا تختلف من حيث الأسلوب.

وتتم مراجعة المستندات وفقاً للعينات الإحصائية وبنسب مئوية يحددها رئيس الديوان في لوائح سرية وذلك وفقاً لنص المادة (25) من النظام، حيث يتم تحديد حجم العينة بناءً على تلك النسب، وهذه هي الكيفية التي يطبق الديوان بموجبها اختصاصاته في الرقابة المالية على أجهزة الدولة، حيث يتضح التركيز على المراجعة المستندية والتي يشوبها بعض المخاطر والتي منها إغفال الهدف الرئيسي للمراجعة كما ذكر آنفا، بالإضافة إلى وجود بعض السلبيات والتي تتلخص فيما يلي:

• إخفاء بعض المستندات وعدم إرسالها للديوان من قبل الجهة الخاضعة للرقابة بوسائل مختلفة.

• الحرص على شكلية نماذج المستندات وتطويعها لتوافق الأنظمة والتعليمات وجعلها ستاراً لتغطية الأعمال غير المشروعة.

• صعوبة تقييم أنظمة الرقابة الداخلية في الجهات الحكومية، والتي تعتبر الأساس في تحديد حجم العينات الإحصائية، فضلاً عن دورها الرئيسي في إجراءات المراجعة المختلفة.

• زيادة تكاليف المراجعة بشكل كبير دون وجود عائد أو فائدة مجزية لذلك، بسبب تركز جهود الديوان بنسبة كبيرة في هذا النوع من المراجعة، ويكون على حساب مواضيع رقابية ذات أهمية أعلى نسبياً.

• تكرار الملاحظات من سنة إلى أخرى دون وجود حل جذري لها، وذلك لأن المراجعة المستندية يصعب من خلالها التوصل إلى مكامن الخلل الرئيسية والمسببة لهذه الملاحظات.

• وجود أكثر من جهة رقابية تقوم بالمراجعة المستندية بنفس الأسلوب مما يؤدي إلى الازدواجية والتكرار في العمل وانتفاء المسؤولية وتعارض المصالح أيضاً.

وأكتفي بهذا القدر من الآثار المترتبة على المراجعة المستندية، والتي كان الهدف من استعراضها توضيح مشكلة الرقابة المالية عموماً، والتي تحد من الدور الرقابي المفترض للأجهزة الرقابية وخاصةً ديوان المراقبة العامة في هذا المجال.

ولحل هذه المعضلة وتفعيل دور الرقابة المالية في المملكة أرى أن يتم التحول إلى المراجعة المهنية بدلاً من المراجعة المستندية، وذلك بطرق مشابهة لما هو معمول به في القطاع الخاص عن طريق شركات المراجعة المهنية.

بحيث يقوم الديوان بنفس هذا العمل تحت إطار معايير المراجعة المهنية المتعارف عليها، وذلك عن طريق إرسال فرق مراجعة ميدانية إلى مقار الجهات الحكومية الخاضعة لرقابة الديوان، ويتم خلال فترة التخطيط للمراجعة تقييم أنظمة الرقابة الداخلية وإجراء الاختبارات اللازمة لهذه الأنظمة وتحديد أهداف المراجعة المالية، ومن ثم تحديد حجم العينة المطلوبة من المستندات للمراجعة بدلاً من نسبة العينة، ويكون الهدف من تحديد حجم العينة هو الحصول على قرائن وأدلة إثبات كافية ومناسبة تمكن الديوان من الوصول إلى نتائج معقولة يعتمد عليها في إبداء الرأي حول المعلومات المالية وجداول الحسابات الشهرية والحسابات الختامية، وبالتالي إضفاء الثقة والمصداقية حول هذه الحسابات والتقارير تحقيقاً لمتطلبات المساءلة العامة بمعناها الواسع.

وهنا أعتقد أن تطبيق هذه الطريقة سوف يحقق أهداف الرقابة المالية بفعالية وكفاءة أكثر، ناهيك عن تخفيض تكاليف المراجعة وسد النقص في أعداد المراجعين، والوصول إلى نتائج مهمة ذات بعد استراتيجي.

أما بالنسبة لإمكانية تطبيق هذا المقترح فأعتقد أن نظام الديوان ولائحته التنفيذية فيهما المرونة الكافية لاحتوائه بل ويحقق مواد النظام واللائحة بفعالية أكثر، فعلى سبيل المثال أعطت المادة (7) من لائحة الديوان الرئيس الحق في أن يقرر مكان إجراء الرقابة حسب ما تقتضيه المصلحة، كما أن المادة (25) من النظام أكدت على أن يقوم الديوان بإجراء اختيار العينات على أسس علمية وعلى ضوء الحاجة، وعليه فإن الحاجة في الوقت الحاضر تقتضي إجراء الرقابة الميدانية واختيار العينات وفق معايير وإجراءات المراجعة المهنية والتي تمثل أفضل الأسس العلمية لذلك.

هذا باختصار فيما يتعلق بمشكلة الرقابة المالية على الجهات الحكومية، أما بالنسبة لمشكلة الرقابة المالية على الشركات والمؤسسات التي تساهم فيها الدولة فسوف أتحدث عنها في مقال قادم بإذن الله.