ما لا يفهمه الكثيرون هو أنه لا عداءات دائمة أو صداقات دائمة في السياسة، فالمواقف تتبدل بناء على المتغيرات الدولية والإقليمية، وأن المبادئ التي يتشدق بها الكثيرون ليست إلا وسيلة لتمرير قناعات المرحلة ومصالحها، وأن التمسك برأي معين مهما بدا منطقيا في مرحلة معينة قد يبدو نوعا من الجنون في مرحلة أخرى، وذلك في حال تبدلت الظروف وتغيرت الولاءات وظهرت معطيات ومبررات جديدة.
ما دفعني لتأكيد هذا الرأي الذي ليس بغريب على الكثير ممن يتابع ويهتم بالشأن السياسي، هو أني ألاحظ ومع تزايد توافر قنوات التعبير الشخصي عبر المنصات الإلكترونية أو القنوات الفضائية أو أعمدة الصحف الورقية أو الرقمية؛ أن مواقف البعض تأخذ نوعا من التطرف الذي لا يتيح لصاحبه إعادة النظر والتراجع عنه أو تبريره في حال تغيرت الظروف. والأمثله متعددة، نذكر منها مثلا هؤلاء الذين كان لهم موقف شديد اللهجة ضد هذا الطرف أو ذاك إبان الخلاف الخليجي القطري، إذ وصل البعض إلى أن تجاوز على الآخر بشكل لا يقبله عقل تحليلي أو منطق ولائي، فوجد نفسه اليوم في موقف لا يحسد عليه أمام الناس، بعد أن حل ما يبدو أنها مصالحة قابلة للحياة والصمود والاستمرار.
لذلك، فمن المهم أن يتريث الإنسان عندما يكون الأمر متعلقا بشأن سياسي بين دولة وأخرى، طبعا هذا الحديث لا ينطبق بالضرورة على تحديد مواقفنا من القضايا التي نراها مهمة، كموقفنا من الإرهاب مثلا أو الفساد أو العدوان العسكري الصريح، فهذه أمور لا تقبل المساومة أو التردد في تحديد مواقفنا الرافضة لها، ولكن فيما يتعلق بالمواقف التي تأخذ مسار المد والجزر السياسي فإن الانجرار سريعا وبتطرف أحيانا نحو محاولة إثبات الولاء لطرف على آخر وبطريقة قد يفسرها المتابع المحايد كنوع من التطبيل المكشوف؛ هو التوجه الذي أتمنى أن يزول سريعا، فقد كثر بين الناس بشكل لم يعد يدل إلا على أن التريث والاستقلال بالرأي أصبحا عملة نادرة بين الناس.
الموقف السياسي الرسمي في كل مكان في العالم يتغير وفق المتغيرات والضرورات كما قلنا، والسياسي الحكيم هو الذي يعرف كيف يحدد موقفه، ويبقي المجال مفتوحا للتفاوض من أجل تبديل المواقف لصالحه، وعلى صاحب الرأي كذلك أن يفكر بحنكة وبعد نظر، بدلا من أن يركب موجة الترديد الببغاوي، معتقدا أنه بذلك قد كسب رضا السياسي، وأكد ولاءه المطلق، ففي السياسة لا توجد مواقف دائمة بل مصالح دائمة.