للإجابة على هذا السؤال نحتاج إلى مقدمة طويلة ثم نجيب على السؤال ثم النتيجة، الحرب لم تعد الحرب، والغزو لم يعد الغزو، أولاً نحن في عصر تبدل فيه كل شيء وتغير بل وتناقض، ثانيا الغرب لا يهرول عبثا بل يحسب خطواته ويبدأ على أسس مبنية على دراسات واستطلاعات لأنها ثقافته، وأنشأ من أجل تلك الثقافة مراكز البحث وأوعية الفكر التي يسمونها think tanks ثم يبدلون ويغيرون مسارات أهدافهم على طول الطريق down the road، نتيجة لهذين السببين لم يعد غزو القوي للضعيف عن طريق الجيوش والأسلحة والحروب والاقتتال، أصبح القوي يستخدم طرقا وأساليب لا يطلق فيها الرصاص، ولا يفقد الجند ولا تدخل جيوشه الحدود مما سنأتي على تفصيله، وبدلا من ذلك أصبح أسلوبه للغزو بطريقة رخيصة يحقق فيها كل أهدافه مقارنة بطرق وأساليب الغزو التي كان ينتهجها في السابق. وهذه الطريقة تتمثل في إثارة القلاقل وتحريض النشطاء والمعارضين والأقليات في أماكن عديدة في الدولة التي يراد السيطرة عليها وبهذا يتحقق له: أولا ذعر حكام تلك الدولة، ثانيا ضعف سيطرة أولئك الحكام على كامل الأرض، ثالثا: اضطرار الحكام لطلب مساعدة القوي لحمايته وبالثمن الذي يريده ذلك القوي، وهنا يتحقق له الغزو الرخيص الثمن الذي كان يحققه بأغلى الأثمان البشرية والمادية والآلية، هذا ما يمكن تسميته بـ"السيطرة العصرية"، وتفصيل ذلك أن العصر الحاضر قد تغير فيه كل شيء وهو يفرض إرادته حتى في الحروب التي لم تعد تقليدية كما نعرفها، لم تعد الحرب في زمننا اليوم تعديا على حدود، ولم تعد الحرب بين جيشين يلتقيان فيهزم أحدهما الآخر، ولم تعد الغلبة في الحرب للجيش الذي يملك قوة عسكرية أكبر أو أحدث.
يقول الدكتور ماكس مانوارنق، الأستاذ والباحث في كلية (آرمي وور) في واشنطن بالولايات المتحدة الأميركية: "لقد تغير مفهوم الحرب في عصرنا الحاضر وأصبحنا في حرب الجيل الرابع غير المتماثلة، الذي تكون فيه: "الحرب هي الإكراه" "compulsion". الإكراه على قبول إرادة العدو وقبول رغبة العدو". لكن ما أهداف هذا النوع من الحروب؟ الهدف منها ليس هزيمة الجيش المقابل لأنه لا يوجد جيش أصلا، وليس الهدف منها التعدي على حدوده، لكن الهدف هو الإنهاك ببطء وثبات، حتى تُسلب إرادة الدولة المستهدفة، وفي النهاية تفرض إرادتك على العدو. كانت الحروب في الماضي تعديا على الحدود وأصبح هذا النوع من الحروب في عداد "المنقرض".
أما الآن فإن نوع الحرب المستخدمة حرب لا أحد يعترف بها لكنها تمارس وتستخدم. الحرب لم تعد إرسال عسكريين وآليات عسكرية وليس بالضرورة أن يكون كل المشاركين رجالا وبالغين، بل هناك أطفال، وفيها لا تستخدم العبارات المستفزة بل تستخدم الدبلوماسية، لكن كيف تكون تلك الحرب على الواقع؟ الحرب تكون بخلق مناطق قلاقل داخل الدولة وخلق مساحات لا تسيطر عليها الدولة، وذلك بهدف خلق دولة فاشلة "failing state"، والدولة الفاشلة هي التي لا تسيطر فيها الحكومة على كل مساحاتها، وتكون هناك مساحات وقطاعات يحكمها خارجون عن الحكومة، وهؤلاء هم شريحة محاربة وعنيفة، وهنا وبهذه الطريقة يتم خلق حالة من عدم الاستقرار "destabilization"، عندما لا تكون الدولة مسيطرة وعندما تصل لدرجة الفشل، فإنه يمكن إكراه تلك الدولة على فعل ما يرغبه أعداؤها منها، لأن الحرب تعني "الإكراه" سواء أكانت حربا مدمرة أم غير قاتلة، والحرب العصرية بهذه الطريقة تحقق بالضبط ما تحققه الحروب التقليدية، التي تستخدم فيها الجيوش والمعدات والآليات العسكرية، وهو "الإكراه"، لهذا ستكون هناك كلمتان ستدخلان إلى قاموسنا العصري وهي "الحرب تعني الإكراه"، والحرب عن طريق الإكراه بخلق مساحات فيها قلاقل ولا تسيطر عليها الحكومة وتنفذ بشروط ذكية جدا، أولا: تنفذ ببطء شديد. ثانيا: بهدوء شديد.
بعد هذه المقدمة نرى أن ما تفعله داعش داخل الدول التي تسيطر على مساحات منها يحقق ما يسمى "الإكراه" لحكومات تلك الدول، ولهذا نعتقد في رأينا أن الغرب يسمح لداعش بالتمدد بهدف تنفيذ سيطرته على المناطق تلك لأن تلك الحكومات ستتوسل للغرب بإنقاذها، هل لاحظتم سرب قافلات داعش تسير في الصحراء بدون غطاء جوي وتدخل المدن وتستولي عليها في الوقت الذي يمكن بكل سهولة القضاء على تلك القوافل وبسهولة، لكن لا يتم ذلك، الغرب هو المستفيد الأول من داعش ينفذ من خلالها الغزو العصري الذي لا يطلق فيه رصاصة ولا يخسر فيه مليما ولا يفقد جنديا واحدا،، إنه الغزو العصري، إنها الحرب التي تعني الإكراه.
وخلاصة القول، تنظيم داعش ليس صناعة غربية لكنه استغلال من قبل الغرب لوجوده، ولو لم يوجد لاستحدثه أو استحدث ما شابهه لتحقيق مصالحه، ولا نلومه في تحقيق مصالحه بل نلوم أنفسنا في تحقيقها على حسابنا، والحكمة تقول: "تأكد عندما تقول نعم للآخرين ألا تقول لا لنفسك". قد يكون وجود داعش يتناسب مع توجهات عالمنا اليوم الذي يسير بنا بطرق وأساليب أشد ذكاء وما لم تكن أي أمة وأي دولة في مستوى ذكاء عالمنا اليوم فستكون خسارتها كبيرة.
عالمنا اليوم يعترف فقط بالقوي والذكي وألا يتحمل فيها الضعفاء والأغبياء نتيجة تخطيط الأذكياء والأقوياء وما يحيكونه لهم من مخططات. الغرب لا يعترف بالعشق والحب بينه وبين الدول الأخرى بل يعترف بالمصالح، فهي وحدها المصالح تحدد التحالف أو العداء، وتاريخنا القريب وما تعرض له حكام الدول التي تعرضت للربيع العربي شاهد على ذلك، وبعد كل ذلك نقول إن مفاهماتنا وحواراتنا ومفاوضاتنا يجب أن تتم من هذه المنطلقات، ولا تنطلي علينا ألاعيبه ثم نرى أنفسنا خارج الدوائر، رأينا لمن سلت العراق ونرى مسار الأمور في اليمن ونرى كيف التعامل الناعم مع داعش، أليست هذه شواهد على كيفية السياسة التي ينتهجها الغرب؟