منذ أن عرفت الأمير خالد الفيصل وهو يحرص على تكريس عادة سنوية موسمية: جمع ما لا يقل عن مئة مثقف ومفكر وكاتب وأستاذ جامعة، لا من أجل أن يلتقي بهم، بل كي يتقابلوا مع بعضهم بعضا، إيماناً منه بأنهم ماكينة تسويق الصورة السعودية الجديدة. من هنا أظن، وهذا تقديري الشخصي، أن فكرة مثل سوق عكاظ هي الآلية أو الطريقة لا الهدف. تتحول مثل هذه اللقاءات الثقافية الضخمة إلى أروقة حوار وطني ضخم، ودعك من البرنامج الرسمي للمناسبة الذي تقرؤه إعلاناً على أوراق الصحف الراعية ثم اذهب إلى عشرات الجلسات التلقائية في أروقة الفندق ومقاهيه وأجنحة النزل المختلفة. هناك ـ عكاظ ـ الحقيقية التي ترتفع فيها حدة النقاش والاختلاف المحمود في وجهات النظر حول قضايانا الوطنية والفكرية المختلفة للحد الذي تضطر فيه إدارة الفندق إلى طلب الهدوء من المتحاورين احتراماً لخصوصية حتى جلسة حوار مجاورة.
لا يمكن إنكار الحقيقة الجوهرية التي تبرهن أن السعودي هو من يقود دفة توجيه العمل الثقافي والإعلامي العربي. هذا ما لم أقله أنا بل تقوله تقارير التنمية العربية المختلفة حول استهلاك النشر وحجمه وآليات تمويله. ولم يكن خالد الفيصل غامضاً أو ملتبساً وهو يشير في مؤتمره الصحفي بالأمس إلى أن فكرة ـ سوق عكاظ ـ لا يجب أن تبقى مجرد إعادة محاكاة لتراث مر منذ ألف وخمسمئة. ذاك هدف جانبي من أجل التأصيل ومن أجل الاعتداد بإرث، ولكن، ومثلما قال سمو الأمير، فإن لفكرة سوق عكاظ هدفا مرحليا حاضرا ومستقبلا. وهنا يجب ألا نبقى أسرى لفكرة الشعر والقصيدة فذاك لون خالد من الفنون الأدبية كان يعيش للعرب يتيم زمانه. المعاكظة في العصر الحديث يجب أن تتلون بالهموم والقضايا الثقافية والفكرية التي تعيشها المرحلة وستترك بصمتها على المستقبل. وفي الدورة الرابعة عشرة لعكاظ، وبعد عقد من اليوم سنتفاجأ بأن الجيل الرقمي القادم المختلف لن يحضر عكاظ من أجل تدشين فائز بملحمة شعرية، بل سيحضر من أجل تأبين مرحلة لا يظن ذلك الجيل أنها تناسب لبوسه ونسق حياته اليومية المعاشة. أنا أراهن أن الجيل السعودي الرقمي القادم واحد من أكثر المجتمعات عصرانية وذكاء وفروسية لتقاليد التقنية. هذه هي الصورة السعودية الجديدة التي يجب أن نسوِّقها في السوق الدولي الحديث ولو من بازار عكاظ الذي يتحول إلى مجرد كلمة من أربعة أحرف.