شرعت مؤخرا وزارة التربية والتعليم في وضع آليات وخطوات جديدة لحماية المعلمات من الحوادث، وذلك بقيامها بتقليل عدد الرحلات خلال الأسبوع، من خلال تخفيضها لعدد أيام العمل للمعلمات في المناطق النائية إلى ثلاثة أيام، وتوجيه شركة تطوير لتنفيذ مشروع نقل للمعلمات يوفر كل متطلبات السلامة المرورية.
هذا القرار حتى وإن جاء متأخرا إلا أنه مؤشر جيد لتحمل وزارة التربية والتعليم مسؤولية حماية منسوبيها من خطر الحوادث المرورية، ولكن لو تساءلنا عن عدد المعلمات اللواتي ذهبن ضحايا للحوادث المرورية خارج أوقات العمل الرسمي، كم معلمة تعرضت لحادث مروري وهي تستقل سيارة في رحلة خاصة مع عائلتها؟ أيهما أكثر عددا؟ المعلمات اللواتي يذهبن ضحية للحوادث المرورية أثناء ذهابهن وعودتهن من مدارسهن؟ أم المعلمات اللواتي يذهبن ضحايا خارج أوقات العمل الرسمي؟ أعتقد أن المعلمات الضحايا للحوادث المرورية خارج أوقات العمل الرسمي عددهن أكبر، فكم من معلمة فقدناها وهي في رحلة خاصة مع عائلتها، ولنفرض أن الرقم هنا عكسي، أي أن المعلمات اللواتي فقدناهن أثناء تنقلهن من وإلى مدارسهن في المناطق النائية أكثر، ماذا عن المعلمين؟ أليسوا هم أيضا يذهبون إلى مدارسهم في المناطق النائية يوميا من خلال نفس الطرق التي تعبرها المعلمات! وماذا عن رجال الأمن؟ وماذا عن الطلاب؟ وماذا عن المواطن أو المقيم؟ ألا يعبر الجميع نفس الطرق التي تلتهمنا جميعا بمعلماتنا ومعلمينا ورجال أمننا وطلابنا ولا تفرق بين مهنة وأخرى، ولا بين صغير أو كبير، مواطن أو مقيم؟
قرار وزارة التربية هو محاولة أولى للوصول إلى حل، فحوادث المعلمات المتكررة ما هي إلا حلقة واحدة من مسلسل حوادثنا المرورية اليومي الذي يستمر حتى الآن دون توقف ودون حل حقيقي يوقف هذا العبث وهذا الخطر وهذا الشبح الذي يهدد صحة وحياة كل واحد منا.
في المملكة 1573 حادثا مروريا يوميا، وعشرون حالة وفاة يوميا، و7153 حالة وفاة سنويا، و39 ألف مصاب يشغلون أكثر من 30% من أسرة المستشفيات و73% من مجمل الوفيات في عمر الشباب وأقل من 40 عاما، وخسائر اقتصادية أكثر من 20 مليار ريال في السنة، كل هذا يدل على أن حوادث المعلمات ما هي إلا جزء صغير من عالم حوادث السيارات الشنيع والبشع، ولذلك يجب علينا أن نتأكد ونحلل ونبحث عن السبب الرئيس الذي يجعلنا نرى الطرق تشرب من دمائهن كل يوم؟ ولماذا تولي وزارة التربية والتعليم جل الاهتمام بالمعلمات بينما الوزارات الأخرى تتجاهل دماء الضحايا الآخرين؟ ولماذا فقط وزارة التربية والتعليم هي من تبادر بوضع الحلول دون الوزارات والإدارات الأخرى مثل وزارة المواصلات وإدارة المرور وإدارة أمن الطرق في وزارة الداخلية؟!
تشريع وزارة التربية والتعليم لإجراءات وقوانين جديدة لحماية المعلمات هو بادرة جيدة ولكنه ليس الحل، هذا التشريع يدل على أننا لم نحلل الأسباب بشكل واقعي، وقد تكون القرارات تحت تأثير تسليط الإعلام أضواءه على حوادث المعلمات. ففي نفس الطريق الذي تقع فيه حوادث للمعلمات هناك حوادث أخرى تقع لطالبات الجامعات اللواتي يأتين من مناطق نائية إلى المحافظات والمدن كل يوم. فلماذا لا نبادر إلى حمايتهن؟ ونفس الطريق الذي يلتهم المعلمات نجده يلتهم رجال الأمن والمعلمين والمواطنين والمقيمين. لماذا لا تبادر باقي الوزارات حتى الآن لوضع حلول للحد من هذا الخطر الذي يزداد عام بعد عام؟
خلال الأعوام القادمة قد نلاحظ انخفاض عدد حوادث المعلمات المضطرات للتنقل من المدن إلى مدارسهن في المناطق النائية، بينما سنجد أن عدد الحوادث للمعلمين والطالبات والطلاب ورجال الأمن وكل الفئات الأخرى في ازدياد، وقد لا تنجح هذه الخطوة في الحد من حوادث المعلمات، لأن أسباب الحوادث لا تعود إلى أخطاء إدارية بقدر ما تعود إلى أخطاء فردية مثل السرعة واستخدام الهاتف عند القيادة وعدم اتباع إجراءات السلامة المرورية وغياب ثقافة القيادة الآمنة. ولذلك علينا أن ننظر إلى مشكلة الحوادث ـ ومن ضمنها حوادث المعلمات ـ من منظار أوسع، كي نتمكن من رؤية كل الأسباب، وحينها نستطيع أن نسن إجراءات وقوانين ليست فقط لحماية المعلمات، بل لحماية كل شخص على أرض الوطن من شر الحوادث.