من يراقب الصراع الذي يدور بين عدد من أطراف المجتمع، ذلك الصراع الخفي أو المُعلن في شؤونه الدينية والفكرية، ومن رموز يتوسم أن تكون قادة للفكر والاعتدال والتنوير، يصاب بالإحباط من هذا الخلاف الذي يشق طريقه بين الناس. وإن كان الاختلاف بين الآراء وفي الطباع والصفات والتوجهات ظاهرة صحية لنشوء مجتمع متزن متعدد المشارب والأفكار، إلا أن هذا الاختلاف إن لم يُحترم ويؤمن بأنه حق لكل صاحب رأي وحرية ضمنها له الشارع سيُصبح بوابة نحو فرض السُلطة لمن بيده الغلبة، ويمارس معها الإقصاء والنيل من الآخر بالتعرض له بالتجريح والشتم والتهديد.

في مجتمع متدين كمجتمعنا أصبح الرمز الديني عند الغالبية العُظمى من البسطاء هو الممثل الوحيد للإسلام، ويؤخذ بما يقول ويفعل ولو كان يعارض العقل والمنطق والتشريع النقي الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.

هذه الرموز آمنت بدورها في أحقيتها بهذا التمثيل للرأي ولبست ثوب القداسة، وقاومت كل من يعارض أو يتخذ له سبيلا آخر، حتى اقتنع من يؤمن بقداستهم أن أي مخالفة ومعارضة لما يقولون ويتبنون من رؤى هو معارضة للدين نفسه، ومقاومة لجوهره الذي يصب في الإيمان بالله وبرسوله.

حينما تباينت الآراء في قضية فقهية شاع أمرها مؤخرا، اكتشفنا مجددا أننا غير مهيئين لتقبل الآخر، وأن أغلب الأطراف تحاول أن تُخطّئ الآخر وتشكك بشكل مباشر في إيمانه ونواياه، وهنا ندرك مجددا أن حل مشكلتنا الكبرى ـ لنستعيد صحتنا الاجتماعية المسلوبة ـ هو أن نتبنى ثقافة الاختلاف ونؤمن بحرية الآخر في رأيه ومذهبه ومعتقده، خاصة وأن ديننا دين الوسطية والاعتدال والحوار مع الأديان، إذ ينبغي أن يسبقه حوار وانسجام مع المذاهب والفرق والرؤى المختلفة الأخرى لمن يدين بالإسلام.

إن العولمة التي مسّت كل جوانب حياتنا أصابت أولئك الرموز في مقتل، وسلبت منهم تلك الهالة النورانية التي ألبسهم إياها "أتباعهم"، لذا نجدهم متشنجين في حواراتهم غير مستوعبين أن الحداثة تفرض نفسها على كل جوانب الحياة، وأنها بنور العلم تخلق جيلا أكثر إيمانا بالمعتقد لارتباطه المباشر بخالقه دون وسائط بشرية غير النبي عليه السلام. جيل متزن في نقده وآرائه ورفضه وخلافاته.

وحتى نصل إلى هذا المستوى من الروحانية في التدين الذي لا ينفصل عن الواقع الحديث "المُتعلمِن" علينا أن ندرك أن النشء الذي نعدّه هو اللبنة الأولى التي نعول على وعيها القادم الكثير، وأنه يحتاج الكثير من الوعي ومن المهارات الاجتماعية ليستطيع التأقلم مع العولمة دون أن يُسلب منه نقاء الإيمان الفطري، ولا يُحرم من أساليب العيش الحديثة ووسائل الترفيه والتعليم المتطورة.

يتكرر هذه الأيام "جدل" يشبه جدل قضية كشف الوجه في الاختلاف والتشنج في الآراء ووجهات النظر حول فيديو أعيد نشره لطفل يبدو في العاشرة من عمره، يقف أمام جمع من الشباب ويعلن "توبته"، ويدعوهم لإحضار ما لديهم من "منكرات" ليتلفها من يقف معه من دعاة.

يقوم البعض بالسجود وهو يصرخ: "توبوا تكفوون وأنا أول تائب" فيزداد تهدج صوته وانفعاله النفسي بسبب الموقف الذي وُضع فيه وذكره بإلحاح للموت واستجداء التوبة من الحاضرين قبل أن يحل بهم هذا "الواعظ الصامت".

ففي مثل هذا المشهد المؤدلج تُسلب طفولة الطفل وهو يقف في مكان لا يناسب عمره متحدثا بهيئة الواعظ "الرمز" الذي يعتقد أن التدين لا يكون إلا بالعويل والبكاء وذكر الموت!، وأن الصفاء الروحي لن يكون إلا بالتخويف والتهديد والوعيد، حتى إذا ما مضى به العمر يقع ضحية الصراع بين الطبيعة الإنسانية السوية التي عززها الإسلام وجُبلت على السعادة والانشراح والسلام مع الذات، وبين أيديولوجيا الرفض والانغلاق، فإما أن يتمسك بما اعتاده في مثل هذا المشهد من صراخ وعويل وإيمان بأن الموت هو الهوية التي يقوم عليها الإسلام، وأن ما يقوم به هو الحق ولا شيء آخر سواه، أو أن يقع في صراع نفسي بين "آدميته" وبين ما يريده مجتمع مؤدلج وجد فيه. إلا إن كان له من الوعي والتنوير نصيب يستطيع به أن ينتشل نفسه من قاع يشده لصراع دائم مع الآخرين ومع نفسه.

من يرى أن ما قام به هذا الطفل ـ أو بالأصح ما أُجبر على القيام به ـ أمر لا بأس فيه وأنها من التنشئة الصالحة، فهو بذلك يُسيء إلى الطفل في المقام الأول ثم للمجتمع، بل إن مثل هذا المشهد الذي يتكرر بنفس الصورة أو بصور أخرى مشابهة جريمة تربوية ونفسية في حق هذا الطفل، ينبغي على الجهات المعنية أن تتنبه لها وتوقفها وتدرجها ضمن الإساءة إلى الطفولة، ويكون لها بند في قوانين حمايتهم.

وعلى الرموز التي تناهض كل رأي لا يتفق معهم بينما يتسع له الشرع بسماحته، عليهم أن يدركوا أن العولمة ليست إلا سببا للعودة إلى الدين أكثر، سواء عودة فردية ذاتية أو عودة اجتماعية واعية، أو كما يقول المؤرخ والمفكر الفرنسي "أوليفييه روا" في كتابه الجهل المقدس: "العلمنة لم تُزل الدين، وهي إذ تفصل الديني عن البيئة الثقافية فإنها تُظهره عل العكس كديني محض. وقد عملت العلمنة عملها في الواقع: فما نشهده إنما هو إعادة صياغة مناضلة للديني في فضاء مُعلمن أعطى الديني استقلاله الذاتي وتاليا شروط توسعه.

لقد أرغمت العلمنة والعولمة الأديان على الانفصال عن الثقافة، وعلى أن تعدّ نفسها مستقلة، وتعيد بناء ذاتها في فضاء لم يعد إقليميا وبالنتيجة لم يعد خاضعا للسياسي".