صار من المعتاد أن يبادرك صديق أو أحد معارفك فور دخول "العشر الأواخر" من ديسمبر بهذا السؤال: أين ستقضي هذه المرة رأس السنة؟

وبحسب تصور السائل لحجم "دشارتك" فإنه قد يمضي أكثر ويقول: أين ستحتفل هذه المرة؟ وكأنك قد اعتدت على هذا الفعل بشكل سنوي فهو موقن بأنك قدها وقدود!

لكن معظم الذين يسألون في هذا الاتجاه ليسوا بالضرورة من المحتفلين، وربما أنهم لم يشهدوا هذه المناسبة و"هيصتها" في مواطنها الأصلية وإلا لاكتفوا من الغنيمة بالإياب.

لم يسبق لي أن شددت الرحال إلى أي بلد خارج المملكة لحضور هذه المناسبة لا أقول ذلك تورعا، ولا أدعي ذلك، ولكن لأنني سبق أن سافرت قبل سنوات طويلة أيام الدراسة في إحدى إجازات عيد الأضحى التي تصادفت مع مناسبة الاحتفال برأس السنة.

وقد أبهرتني "لندن" خلال هذه المناسبة بمظاهر الاحتفال الظاهرة على شوارعها وبعض مبانيها وسلع محلاتها، لكن ليلة المناسبة وما يعقبها تعد من أكثر الليالي صخبا وإزعاجا وفوضوية، ولست ممن يميل إلى مثل هذا الزحام والضجيج وهذه الهيصة، وهكذا فإنني قطعت الصلة بـ"رأس" السنة بعد تلك المرة، بل على النقيض من ذلك فإنني صرت أتعمد ألا أسافر في مثل هذه الفترة على عكس ما أجده مؤخرا من تعمد واضح عند البعض من ضبط مواعيد إقلاعهم قبل وخلال وأثناء هذه المناسبة وهم أحرار فيما يعشقون!

أكثر ما يلفت نظري في الأمر هو التهافت الذي صار يمتد عندنا لدى قطاع عريض من الناس للاعتناء والاهتمام بهذه المناسبة حضورا أو متابعة أو تحدثا عنها أو الاتجاه إلى التهنئة بها، ولست هنا ـ بالطبع ـ في وارد الحديث عن التحريم أو الإباحة فليس هذا مكانه، كما أن هذا ليس دوري، ولكنني أنظر إلى الأمر من زاوية التابع والمتبوع، والقوي والضعيف، والمعتز والمستخذي.

فمن طبائع الأمور ومجرياتها أن المغلوب يتبع الغالب في سلوكه وأنماط لباسه وطعامه، وربما لغته وهذه هي القوة الناعمة لأي حضارة غالبة، وهي قوة معنوية وليست مادية وتنقاد إليها تلقائيا المجتمعات التي تعاني الاضمحلال والدونية، وهذا هو حال العرب والمسلمين المعاصر، ولهذه الأسباب ـ كنتيجة طبيعية ـ فقد صار "أسفل" العالم يحتفل بمناسبات "رأس" العالم وصار المتأخر يتسابق ليحتفل بمناسبات المتقدم وصار الأخير يتبع الأول وصارت أقدام وأرجل العالم تصعد سلالم الطائرات وكل وسائط الإيصال، للانتقال من مواقع الأرجل إلى الرأس كي يهمس المغلوب في أذن الغالب: Happy New Year

وسنة حلوة: يا كبير.. ويا أول.. ويا قائد.

وإلى حين أن نصل نحن العرب والمسلمين إلى المقدمة ثم نصير غالبين ومتبوعين ومعتبرين وقدوة للآخرين، فما لنا ولا علينا إلا أن ننتظر إلى ذلك الحين ليرد الغالب الحاضر صاحب "الرأس" معروفنا طوال هذه الأعوام، ويقول لنا كل عام مرتين: عيدكم مبارك.