الكتابة جزء مهم جداً من الثقافة العالمية للإنسان، وهي نموذج محاكاة ليومياته، تترجم عبقريته وتفرده الثقافي، وهي ثورة حقيقية عبرت عن بحثه الدؤوب عن الإبداع.
نقلت الكتابة التجربة الإنسانية عبر التاريخ، وقدمتها في قوالبها التفاعلية الحالية كأحد أهم الاختراعات الإنسانية على الإطلاق، والتي ارتبطت دائماً وأبدا بسلوك الكاتب وشخصيته، وانفعالاته، وطريقته، فيما يسمى بالأسلوب. وعلى هذا بني تنوع الإرث الثقافي الأممي للكتابة، كاختراع وكأسلوب وتوجهات، وميزت الكتابة فيما بينها على مستوى الشعب الواحد والأمة الواحدة، منتجة مزيجاً فريداً من النقش الإنساني.
ولذلك ترى الكاتب أيا كان، شاعراً أو روائياً أو قاصاً أو صحافياً، ينطلق من همومه الصغيرة أولاً، ثم يتصاعد ذلك الهم ليشمل محيطه، في عملية إنسانية تفاعلية لا مثيل لها، وليتحول تالياً إلى أحد أصوات هموم ويوميات مجتمعه، ناثراً من خلال ما يكتبه قصصاً متنوعة من القضايا والأحداث.
هذا التفاعل في الغالب يصطدم مع بعض الآخر الاجتماعي، الذي يحاول من جهته وبشتى الوسائل الدفاع عما يعتقد أنه من صميم معتقداته أو مكاسبه التي يمنع المساس بها، أو تلك الصراعات المتعلقة بالأنا المتضخمة عند البعض، والتي لا تمنعه أحياناً -في حالة مهينة من السقوط الأخلاقي- من استخدام وظيفته للإضرار بهذا الكاتب أو ذاك، لمجرد أنه اختلف معه في وجهات النظر أو الرأي.
إذ إن الفهم والتواصل المرتبكين لما يطرحه الكاتب عند بعض المتلقين أحياناً، يشكلان إحدى أهم مشكلاته ومعاناته، وهذا قد يكون مفهوماً لاختلاف نسب الوعي بين أفراد المجتمع الواحد، لكن غير المفهوم هو الدخول إلى النوايا، وتحويلها إلى أدلة وبراهين لاتهام الآخرين في عملية مغالطة قبيحة! من هنا نرى استمرارية الصراع بين الكاتب على اختلاف توجهاته، وبين بعض المتلقين أو شريحة اجتماعية لها توجهاتها الفكرية والثقافية.
وهذه -من وجهة نظري- محاولة سعي حثيثة لتأطير وكبح جماح إبداع وتأثير الكاتب، وهي عملية قد تنشأ نتيجة قصور ما في عدة جوانب لها علاقة بالبيروقراطية، من ضمنها بالتأكيد القيد الوظيفي للكاتب، وارتباطه بجهة ما قد تجعل منه هدفاً للتشويه، وجعله عدوا ومتآمرا، أو حتى فاسقاً إن تطلب الأمر!
ومن ذلك ما يتعلق بنوعية الكتابة، والمطبوعة التي تنشر للكاتب والتصنيف المتخبط الذي قد يطلقه عليها البعض.
وأظن أن مما يمكنه الإسهام في رفع حالات حرج الكاتب الصحفي تحديداً، يكمن في تفرغه للكتابة، واعتمادها كمهنة احترافية لها قوانينها وشروطها، وتحويلها من مجرد مشاركات وجدانية في كثير من تفاصيلها، إلى فن كتابي يمارس حريته بلا خوف، ومن نتائج وحسابات أخرى تصب في خانة التفكير السلبي، فقد آمنت كثير من شعوب العالم غرباً وشرقاً بضرورة تفرغ الكاتب، وطبقته عملياً، من واقع إيمانها أن الكتابة هي تعبير عن ضمائر الأمم والشعوب، وإدراكها أن ذلك من شأنه رفع معدلات الوعي الثقافي والاجتماعي، وزيادة فعالية الكاتب في بناء استراتيجية أمته، فالكاتب المتفرغ لن يقع تحت ضغوط وابتزاز الركض اليومي خلف قوته، وصراعاته الدائمة مع التفكير في لقمة العيش، وسيتفرغ للإنتاج التنويري بشتى أنواعه، أدبيا كان أو تاريخيا أو علميا، وهو ما سيزيد من ثقة وقدرات الكاتب فيما يطرحه، ويقربه أكثر من نقطة المصداقية مع المطروح والمتناول، ويحوله إلى رقيب فاعل يضبط ربما مؤشرات كثيرة، نحتاجها على الصعيد العملي والإنساني والأخلاقي، وربما تكون هذه إحدى جوانب الثورة الثقافية التي يحتاجها الوعي العربي.