في يوم الخميس الماضي أُعلنت الموازنة السنوية بعد ترقب كبير محلياً وعالمياً لمعرفة كيف ستتعامل المملكة مع الانخفاض الحاد في أسعار البترول منذ الصيف الماضي. وعلى الرغم من ذلك الانخفاض، حددت الموازنة المصاريف الحكوميةَ لعام 2015 بـ860 مليار ريال، في حين قدرت الإيراداتِ بـ715 مليار ريال.

وإذا صحت هذه التوقعات فسيكون هناك عجز بقيمة 145 مليار ريال خلال العام القادم. ولكن مقدار العجز الفعلي سيتوقف بالدرجة الأولى على مستوى أسعار النفط، فإن انخفضت أكثر كان حجم العجز أكبر، والعكس صحيح. ومهما كان حجم العجز، فسيمكن تمويله باللجوء إلى الاقتراض أو السحب من الفوائض المتراكمة من السنوات السابقة.

وتُظهر أرقام الموازنة أن مستويات الدخل والإنفاق المتوقعة لعام 2015 ستكون أقل بكثير من الإيرادات والمصاريف الفعلية لعام 2014، إذ ستنخفض الإيرادات بنسبة 32% عن مستوى الدخل الفعلي في 2014 حين بلغ (1046) مليار ريال، في حين سينخفض الإنفاق بنسبة 22% عن مستواه الفعلي خلال 2014 حين بلغ (1100) مليار ريال.

ومن الطبيعي أن يكون لهذه الانخفاضات أثر واضح على أداء الاقتصاد ومعدلات النمو خلال العام القادم، ما لم تُتخذ إجراءات لتفادي ذلك.

وتوضح وثائق الموازنة أن نصيب الأسد من المصاريف سيكون لصالح قطاعات التعليم، والصحة، والبنية التحتية، حيث ستتلقى مجتمعةً نحو 60% من الإنفاق الحكومي العامَ القادم، بالإضافة إلى المبالغ الكبيرة المدورة من موازنات الأعوام السابقة، والتي خُصّصت للمشاريع ولكن لم تُصرف. وفي معظم القطاعات تتجاوز تلك المبالغ المدورة حجم المبالغ الجديدة المعتمدة في موازنة العام القادم.

من المقرر إنفاق (217) مليار ريال، أو نحو 25% من إجمالي الموازنة على التعليم، بما في ذلك مشروع الملك عبدالله بن عبدالعزيز لتطوير التعليم، الذي تبلغ تكاليفه (80) مليار ريال، وبرنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي (22.5 مليار ريال)، الذي يستفيد منه حالياً نحو (207) آلاف طالب وطالبة ومرافقيهم، وتأسيس ثلاث جامعات جديدة في بيشة، جدة، وحفر الباطن، ومئات المدارس والمعاهد والكليات.

وخصصت الموازنة (160) مليار ريال للخدمات الصحية والاجتماعية، وهو ما يعادل 19% من حجم الموازنة، وتشمل إنشاء (27) مؤسسة صحية جديدة، بالإضافة إلى الأندية الرياضية، وزيادة المخصصات السنوية المتعلقة بالأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة ومخصصات الضمان الاجتماعي ودعم برامج معالجة الفقر. وبلغ المخصص للمياه والثروة السمكية (60) مليار ريال، تتضمن مشاريع جديدة وزيادات لمشاريع قائمة لتوفير مياه الشرب وتعزيز مصادر المياه، وتوفير خدمات الصرف الصحي، وإنشاء السدود، وحفر الآبار، ودعم الطاقة المتجددة وإنشاء محطات تحلية جديدة، ومرافق لصيد الأسماك وغيرها.

وخصص للنقل والبنية التحتية نحو (63) مليار ريال، بالإضافة إلى (117) مليار ريال اعتمدت في الأعوام السابقة ولم تصرف. وتشمل مشاريع تضيف (2000) كلم لشبكة الطرق الحالية، وتستكمل تنفيذ خمسة طرق محورية وهي (جدة/ جازان الساحلي، تبوك/ المدينة المنورة السريع، ينبع/ الجبيل السريع، عسير/ جازان الجديد، القصيم/ مكة المكرمة السريع)، بالإضافة إلى مشاريع القطارات والمترو والموانئ والمطارات.

ولا شك أن هذه كلها مشاريع تهم المواطن وستسهم في تحسين مستوى معيشته ورفاهيته. ولكن ماذا عن تأثير ذلك كله على النمو الاقتصادي في هذه الظروف الصعية؟

لنفترض أن الأمور ستسير حسب الخطة التي أُعلنت الأسبوع الماضي، أي أن المصاريف ستكون في حدود (860) مليار، والإيرادات (715) مليار ريال. ويعني ذلك -كما أسلفتُ- انكماشاً في المصروفات بمعدل 22%، وفي الدخل بمعدل 31%. ولمّا كان الإنفاق الحكومي يمثل 35% من حجم الاقتصاد السعودي، فإن حجم التراجع في الناتج المحلي الإجمالي قد يصل إلى 7 أو 8% بالأسعار الجارية، وهو انكماش كبير ستكون له تداعيات ملموسة. ويمكن التقليل من انكماش الاقتصاد بتبنّي التدابير التالية لتحصين الناتج المحلي الإجمالي، على الأقل جزئياً:

أولاً: تسريع تنفيذ المشاريع المتأخرة: كما لاحظنا، ثمة مبالغ طائلة اعتُمدت في السنوات الماضية لمشاريع وبرامج التنمية المختلفة ولم تُصرف. ولذلك فإن تسريع تنفيذها سيزيد من وتيرة الإنفاق الحكومي ويساعد على الحد من الآثار السلبية لانخفاض الإنفاق المخصص لسنة 2015، وسيكون له أثرٌ إيجابي على الناتج المحلي الإجمالي.

ثانياً: تشجيع القطاع الخاص: فمع أن القطاع النفطي قد انكمش بنسبة 7% خلال عام 2014، فإن القطاع الخاص غير النفطي حقق نمواً إيجابياً بنسبة 9%، حسب بيان وزارة المالية المصاحب للموازنة. ولذلك فإن استمرار النمو الإيجابي للقطاع الخاص خلال 2015 سيخفف من آثار تراجع القطاع النفطي. وبالمثل فإن توفير حوافز إضافية لتحفيز القطاع الخاص للنمو بمعدلات أسرع سيكون له آثار إيجابية إضافية على نمو الناتج المحلي الإجمالي تعوض خسارة القطاع النفطي.

ثالثاً: تخفيض معدلات استهلاك الطاقة: يمكن تخفيض المصاريف الحكومية بشكل كبير عن طريق ترشيد استهلاك الطاقة، حيث تستهلك المملكة ما يعادل (أربعة) ملايين برميل بترول يومياً أضعاف المعدلات العالمية. ويمكن أن يتحقّق الترشيد عن طريق آلية السوق (الأسعار) أو من خلال التطبيق الحازم لتدابير كفاءة الطاقة. إذ نعلم أن الأسعار العالمية للبترول –حتى بعد انخفاضها الحاد– تبلغ أضعاف الأسعار التشجيعية التي يُباع بها الوقود محلياً لمنتجي الكهرباء والمصانع وغيرهم. ولذلك فلو تمكنا من تخفيض كمية الاستهلاك المحلي، فإن ذلك يعني تلقائياً تخفيض العبء على الموازنة.

وكخطوة أولى، فإن الالتزام بالتدابير التي أقرها (المركز السعودي لكفاءة الطاقة) سيقلل من هدر الطاقة، دون اللجوء لرفع أسعار المشتقات النفطية. ويؤدّي تقليل كمية الطاقة التي تُباع بالأسعار التشجيعية إلى وفورات كبيرة يمكن أن تؤدي إلى تخفيض عجز الموازنة، أو تستخدم لتمويل مشاريع إضافية في قطاعات منتجة، وبالتالي تخفيف الآثار السلبية على الناتج المحلي الإجمالي الناجمة عن انخفاض حجم الإنفاق الحكومي.