الرحيل قدر حتمي. إن في الدنيا، وإن فيها ومنها. بل إن ألم الفراق الدنيوي أحيانا أشد وطأة من الموت ذاته.
خلال الأسبوع الماضي فُجعت برحيل ثلاثة أصدقاء. واحد غادرنا إلى رحمة الله ورضوانه. واثنان تركا العمل وغادرانا إلى أمكنة أخرى، فكانت مرارة رحيل الثلاثة قاسية.
غادرنا إلى رحمة الله الشاعر النبيل "محمد النفيعي"، وهو ـ كما كتبت عنه يوما ـ صاحب مدرسة متميزة ظهرت في منتصف الثمانينات الميلادية. أعجب بها كثيرون. تعلم منها كثيرون. تخرج فيها كثيرون. ولا أظن أن أحدا يستطيع أن ينكر أن نسبة عالية من الشعراء الشباب في المملكة تأثروا بـ"محمد النفيعي". ترك بصمات واضحة على معظم شعراء الساحة. وأخرى أشد وضوحا في الصحف التي عمل فيها محررا ومعدا ومشرفا ومديرا للتحرير.
عاش النفيعي مدافعا عن مبادئه التي كان ينادي بها. كان يعلمها لتلاميذه في الصباح، ويقضي الليل منافحا عنها، ومقاوما للإغراءات التي سقط في وحلها الكثيرون. حتى رحل صباح أول من أمس ضحية لهذه المبادئ العظيمة التي وقفت حائلا بينه وبين علاجه، ليتوقف قلبه الأبيض، وتغادرنا روحه إلى رحمة الله وكرمه وإحسانه.
أما الاثنان الآخران، فقد كان أمر رحيلهما ـ وإن كان دنيويا ـ مؤلما هو الآخر. تركا العمل، وتركا خلفهما مرارة الرحيل نتجرعها. غادرانا إلى أمكنة أخرى. الصديقان العزيزان "أحمد التيهاني" رئيس قسم الرأي في هذه الصحيفة العملاقة، و"عيسى سوادي" مدير التحرير فيها. لا أظن أحدا في الصحيفة داخلها وخارجها كان سعيدا بهذا الرحيل المر. ولم نحزن في الصحيفة منذ سنوات على رحيل مسؤول فيها كحزننا على رحيل هذين الرجلين في وقت واحد. لكنه الرحيل، سنة الله الماضية في خلقه.
ترك الاثنان سيرة عطرة في كل زوايا الصحيفة. بأخلاقهما الفذة، وتعاملهما الكريم، واستطاعا طيلة سنوات أن يعبرا بقسم الرأي بمهارة فائقة تحت سقف غير واضح المعالم، كحالة السقف في صحافتنا المحلية. ورغم تباين أمزجة الكتّاب واختلافها، فقد كانا يتعاملان مع الكل بطريقة فذة رقيقة يصعب وصفها!
رحلت 2014، ورحل معها هؤلاء الأصدقاء، ورحل غيرهم كثير. فما الذي تحمله لنا 2015. اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.