قبل أربعين عاماً تقريبا شاهدت جثمان ميت تحت صخرة بجبل "قهرة السرومة" في الجزء الشمالي الشرقي من جبل "تهلل" بقرية السودة في عسير، وقد تم البناء عليه بطريقة "الشدف" أي البناء المحكم المسمى "الموحّش" باستخدام الحجر دون إضافة الطين أو أي مواد أخرى، سألت بعض المعمرين عن ذلك الميت، فأخبروني أنه حاج قبل عشرات السنين، كان في طريقه مع جماعته وأدركته المنية قبل هبوطهم إلى تهامة، ولعدم قدرتهم على حمل الجثمان لصعوبة المسالك، فقد اكتفوا بدفنه بتلك الطريقة السائدة في حينها، الجثة لم تضمحل أو تتحلل أو تتلاشى بل أصابها شىء من الضمور فقط، وقد أكد وشرح لي هذا المشهد وتلك الرواية التي عايشها المحامي والاستشاري "عبدالعزيز فؤاد العسيري" كونه من سكان قرية السودة وأبنائها النابهين. ثار في مخيلتي سؤال مستبد ما الذي جعل هذا الجثمان يبقى بصورته التي رأيتها، ولم تمتد إليه يد البلى وعوامل التعرية بكل قسوتها وجبروتها المناخي؟ وما الذي أبقى عليها وعلى أصحاب "الغار" في شرحة بقرية تمنية الشهرانية، وبالذات في جبلي المخرطم وإبران، حيث لم تتحلل أجساد أسرة كاملة كانت داخل الغار ولعشرات السنوات؟ وقد شاهدت صورهم في كتاب "في ربوع عسير" لمؤلفه محمد عمر رفيع، والذي تكفل بالرد على فؤاد حمزة في كتابه "في بلاد عسير" حيث عمد حمزة إلى تسفيه تلك الحالة ونفي وقوعها، وقد أكد لي الأديب "علي حسن آل شعيب الشهراني" ما ذكره محمد رفيع كونه أي الشهراني شارك في دفن بعض الجثامين الموزعة في الغيران عام 1369، وقد استرعى انتباهه ضخامة أجسامهم، وفسر الشهراني وجود هذه الجثامين في الكهوف نتيجة انتشار الأمراض السارية في ذلك العصر، ولجوء أهل القرى إلى طريقة الحجر والعزل للمرضى في الغيران، ووضع "قربة الماء" بجوارهم حيث تنتظر القرية شفاء المريض أو موته، السؤال الملح ما هو التفسير العلمي لبقاء هذه الجثامين عشرات السنوات دون تحلل أو فناء؟
بحثت وسألت كثيراً فلم أجد إجابة شافية إلا توقعا مني قد يكون صحيحاً أو غير ذلك، إنها "شجرة العرعر" التي تحيط بكل شبر وموضع في هذه القرى، من خلال حضورها الأخاذ بكل مكوناتها وعناصرها وعلاقتها الحميمة القائمة بينها وبين الإنسان العسيري، فقد أظهرت دراسة علمية جديدة، أن قدماء المصريين كانوا يستخدمون خلطات معقدة من المستخرجات النباتية لتحنيط موتاهم، وقد أجرى باحثون بريطانيون تحاليل للمواد التي استخدمها المصريون في تحنيط "مومياواتهم" وأظهرت التحاليل وجود مواد نادرة وثمينة هي نبات "شجرة العرعر" الذي كان يستورد من خارج مصر، وقد أباح الإسلام الحنوط "التجمير" لتجفيف رطوبة الميت وتطييبه، وحرم التحنيط الذي ينزع أجزاء من أحشاء الميت، ترى من يبحث في تلك الظاهرة أو يسأل عن سرها؟ لا أحد.