في دول الأسواق الناضجة عندما يتحدث الرؤساء التنفيذيون – وهم لا يتحدثون إلا نادراً - تنقل وسائل الإعلام حديثهم، ويجتمع المحللون لمناقشته وتحليله لمعرفة توجهات السوق التي يتحدثون عنها وتفاصيلها، ويستمع صناع الرأي وصناع القرار ومتخذوه لفهمه وبناء القرارات أو الإجراءات أو التحوطات اللازمة، كما يستمع المستثمرون كبارهم ومتوسطوهم وحتى صغارهم للفهم وبناء القرارات الاستثمارية الراشدة، كما يستمع المستهلكون لتحديد قراراتهم الشرائية الأمثل.
وسائل الإعلام في دول الأسواق الناضجة تحلم بحديث من رئيس تنفيذي لشركة كبرى، وتبذل كل الجهود والإغراءات لذلك، وتتحين المؤتمرات والمعارض والندوات الكبرى والدولية التي يشاركون فيها لتلتقط من أفواههم تصريحا تجتذب به القراء لتعزز مكانتها وتزيد من انتشارها لمعرفتها بشغف القراء بمثل هذه التصريحات وأهميتها في صناعة مواقفهم وقراراتهم.
دور النشر والتوزيع تهتم بسيرة الرؤساء التنفيذيين لكبريات الشركات لأهميتها في الاقتصاد ودورها المُلهم في تحفيز مبادرات الأعمال وتعزيز قدرات المديرين بكل مستوياتهم وتحفيز المستثمرين إلى غير ذلك، ولذلك ما إن يتقاعد أحدهم حتى تهرع إليه دور النشر والتوزيع طالبة منه تأليف كتاب يفرغ فيه خبرته وتجاربه ليكون نبراساً لعناصر السوق كافة وملهما للآخرين.
لماذا كل هذا الاهتمام بالرؤساء التنفيذيين في الدول الناضجة مقارنة بكتاب الرأي والأكاديميين الذين تهتم بهم الأسواق الناشئة كحال أسواقنا بشكل كبير ويملأون وسائلنا الإعلامية وتفتح لهم الصفحات والبرامج ويستمع إليهم الرأي العام، ويستجيب لآرائهم وتوصياتهم وكأنهم أبناء سوق ممارسون؟
أحد الرؤساء التنفيذيين ممن نشرت له إحدى الصحف المحلية لقاء مطولاً شرح فيه العناصر المؤثرة في سوق القطاع الذي تنشط فيه شركته ومستقبل هذه السوق ولاقى سباباً واستهزاء وتشكيكاً من البعض عبر وسائل التواصل الاجتماعي قال لي: إنها سيكلوجية الأسواق الناشئة التي لا تميز بين حديث ممارس متعمق يدير استثمارات مليارية ويحاط بشبكة من المستشارين في المجالات التسويقية والمالية والإدارية والفنية، ويعتمد في قراراته على الدراسات والبحوث، ويحقق نجاحات كبيرة وبين حديث بعض كتاب رأي يعرفون ظاهر الاستثمارات والأسواق، ولا يعرفون باطنها ويعبرون عن آرائهم المخلوطة بعواطفهم وحالتهم النفسية ومصالحهم الخاصة أو مصالح من يوجهونهم ويمدونهم بالمعلومات المنقوصة في الغالب.
وأضاف "إن الأسواق الناضجة مكتملة العناصر والتشريعات وكونت مفاهيمها العميقة عبر الزمن والممارسات، وأدركت الفرق بين حديث كاتب رأي أو أكاديمي وبين حديث رئيس مجلس إدارة أو عضو منتدب أو رئيس تنفيذي فأصبحت تستأنس بحديث كتاب الرأي والأكاديميين وتعتمد على حديث المستثمرين والممارسين.
قلت وما الذي يجعلنا نثق بحديث الرؤساء التنفيذيين وأنهم لا يكذبون لتحقيق مصالحهم؟ قال إن نُخب عناصر السوق تكشفهم إن فعلوا ذلك فتضيع سمعتهم ولذلك نادراً ما يفعلون ذلك.
والسؤال متى تكون أسواقنا أكثر نضجاً وتستمع بآذان صاغية وعقول واعية للرؤساء التنفيذيين كما هي الحال في دول الأسواق الناضجة عندما يتحدث رئيس سوني أو مايكروسوفت أو جنرال موترز؟