تكونت ثقافة الولايات المتحدة الأميركية نتيجة انصهار خليط ثقافي واجتماعي واقتصادي من جهات العالم كله، وأخذت من الحضارة الأوروبية الحديثة خلاصتها البشرية والثقافية والصناعية، واستقبلت أيضاً ثقافات الشرق والغرب والجنوب والشمال إلى أن أصبحت مركز العالم ومرتكزه الأول في حياتنا المعاصرة.

ويبدو أن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط اليوم تأخذ حالياً دور "المتفرج"، أو لنقل صاحب التجربة الذي ينتظر نتيجة تجربته وما تؤول إليه، وأقصد بها نظرية "الفوضى الخلاّقة" التي طرحتها وزيرة الخارجية الأميركية السابقة "كونداليزا رايس" مطلع الألفية الثالثة معتمدة عليها من أستاذها الداهية وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر، ونعيش اليوم إرهاصات هذه النظرية من خلال ما يحصل في المنطقة العربية من حولنا، حيث المزيد من الفوضى والتي هي مزيج من أنظمة سياسية قمعية/مخابراتية، ومجتمعات مهمّشة وفقيرة، وأقليات تعيش في ظل دول شبه مجبرة على ذلك لإدراكها أنها سوف تكون ضحية لبقية التكوينات الاجتماعية الأقوى؛ وهذا نتاج تراكمات تاريخية وسياسية واجتماعية وثقافية حادة، أدى انهيار بعض الأنظمة السياسية العربية الحاكمة- وضعف بعضها الآخر- إلى تحقق نظرية الفوضى الخلاقة، والتي تعتبر سمتها الحاضرة التي نلاحظها اليوم هي انهيار الوجه الحضاري للشرق الأوسط، ولا شيء غير هذه النتيجة، وقد رأينا بوادر هذه النتيجة الكارثية في الفوضى التي حصلت في العراق عام 2003، بعد اجتياح الجيش الأميركي للعراق بهدف إسقاط نظام حكم صدام حسين بذريعة امتلاك أسلحة كيماوية.

تظهر الولايات المتحدة الاحترام والتحالف لمن يشترك معها بمصالح معينة، لكنها تستنزفه إلى درجة يمكن أن يكون في لحظة ما لا فائدة منه، وفي هذه اللحظة يمكن أن تتخلى السياسة "البراجماتية" عمّا لا نفع منه أو عمّا لم يعد نفعه كما هو، وبالتالي البحث عن مصدر نفع آخر.

هنا تكون الشعوب مصدراً اقتصادياً واستثماراً جيداً محتملاً، فمثلما كانت الأرض الأميركية "الجديدة" حلماً في أذهان سكان أوروبا وآسيا الذين طحنتهم حروب الغرب والشرق وصهرتهم حضارته، حتى أصبح الخروج مطلباً لتحقيق حياة جديدة تماماً. لهذا استقبلت الأرض الأميركية ملايين المهاجرين والمهجّرين، من كل الفئات والأعراق والنخب؛ لأنها كانت أصلاً مأوى للمهاجرين الأوروبيين الأوائل الذين وطئت أقدامهم أرضها أول مرة، فكانت صوتاً لمن لا صوت لهم، وأرضاً خصبة لكل من يريد أن يعيش كما يريد، وكأن من دخلها مفقودٌ ومولودٌ في الوقت ذاته!

ومن جهة أخرى، مثلما كان المستعمر الأوروبي ناشطاً في استثمار تجارة البشر كـ"العبيد" بتقييدهم بسلاسل واقتيادهم عبر البحار من سواحل أفريقيا إلى سواحل شرق الولايات المتحدة؛ ها هي السياسة ذاتها يعاد إنتاجها ولكن بطرق أخرى؛ وهنا تكون إشكالية السياسة الأميركية أنها لا تثبت على استراتيجية معينة، فأصدقاء الأمس يمكن أن يكونوا أعداء اليوم، وأعداء اليوم ربما كانوا أصدقاء الأمس، وهذا يبقى احتمالاً وارداً في الفلسفة السياسية البراجماتية التي تتّبعها الولايات المتحدة، والتي تجبر خصومها وأصدقاءها أن يكونوا مستعدين للحظة التي قد يتحولون فيها إلى "ليمونة معصورة"!

لا تؤمن الولايات المتحدة بتكرار الفرص ولا بتكافؤها، بقدر إيمانها باستثمار الفرص وتجييرها لتتحول إلى فائدة واقعية ومادية لصالحها، فقد دخلت الولايات المتحدة معترك الحرب العالمية الأولى وانتصر حلفاؤها بدعمها، كما دخلت أتون الحرب العالمية الثانية متأخرة وقطفت ثمرة النصر بعد أن طَحنت دول أوروبا بعضها بعضاً.

ولذلك لا تنظر الولايات المتحدة الأميركية اليوم في سياساتها إلى حضارة الشرق على أنها يجب أن تستمر وتُحفظ كرصيد للإنسانية، ولذلك من اللافت أن تنظر السياسة الأميركية إلى تدمير معالم حضارة بلاد الرافدين والشام ونهب آثارهمها وتلاشي مكوناتهما الاجتماعية على أنه أمر "طبيعي"، فلا يجب أن يتم التدخل في مجريات تحولات الطبيعة!

وفي المقابل لا تؤمن هذه السياسة أيضاً ببقاء الحضارة الأوروبية التي استمدت منها أميركا حضارتها في العصر الحديث فكل شيء ممكن؛ كأن يتفكك الاتحاد الأوروبي وتبدأ الحروب الطاحنة من جديد بغض النظر عن أسبابها سواء أكانت اقتصادية أم ثقافية أم محاولة لاستعادة التاريخ، وعلى الرغم من استبعاد هذا الأمر في الوقت الحاضر على الأقل إلا أنه لا يجب نسيان أن الولايات المتحدة الأميركية تنظر لقيام الاتحاد الأوروبي بعين غير راضية وغير واثقة، بل ربما تعتبره تهديداً لاتحاد ولاياتها وبالتالي لمصالحها الاقتصادية في العالم.

ومن ينظر إلى سياسات الولايات المتحدة حالياً ويقارنها بتاريخ الدولة الرومانية في أوروبا يجد أن الأمرين متشابهان كثيراً، فالهوس التوسعي والسيطرة الاقتصادية موجودة فيهما، وإن كانت السياسة الأميركية الحالية ممنهجة بشكل حديث على التوسع والسيطرة بطرق مختلفة تمليها المصلحة وجدوى المنفعة!