تأتي الاحتفاليات الثقافية في قمة الاهتمامات الرئيسية التي تهتم بها الشعوب والأمم، وذلك لكونها تعني أنها وصلت لدرجة من التطور الحضاري والنضج الثقافي، يحق لها أن تحتفي فيه، بآدابها وفنونها، وتكريم مبدعيها. حيث اهتمام الأمم والشعوب يتحرك تصاعدياً، من الأهم إلى المهم والذي يليه في الأهمية. مع أهمية الاحتفاليات بالآداب والفنون بالنسبة للأمم والشعوب إلا أنها لا تحظى باهتماماتها الأولية. حيث تأمين لقمة العيش الدائمة والسكن المناسب والأمن المستدام، ومن ثم الصحة والتعليم لإنسانها، تأتي أولاً فأولاً، في تراتبية سلم أولوياتها. ثم إذا تمت تغطية هذه الأولويات، تلتفت إلى ما بعدها من اهتمامات منها الآداب والفنون؛ والتي تعبر من خلالها عن وصولها لقمة بناء الإنسان.

فلا يمكن لأي شعب أن يهتم بفنونه وآدابه، قبل أن يؤمن لنفسه فرص العيش التي تغنيه، والسكن الذي يوائم طبيعته والأمن الذي يؤمن حياته وسبل كسب معيشته. صحيح أن الاهتمام بالآداب والفنون، ليس من أولويات الأمم والشعوب الملحة؛ ولكنه، يأتي كإشارة لا يخطئها مراقب، إلى أنها وصلت لتدشين حقبة ما بعد التكوين والتأسيس، وهي حقبة النضج الحضاري والتمكين. مع الأخذ بالاعتبار حقيقة، أن الإبداعات الفردية، غير المنظمة، قد بدأت مع الإنسان منذ وعيه بنفسه كإنسان، ودونها على جدران الكهوف، مسكنه الأول.

فعندما اهتم العرب، ممثلين بالقرشيين في مكة، بآدابهم وفنونهم، كان ذلك بعد أن سكنوا مكة، وتوحدوا في إيلاف أسموه قريش، وامتهانهم لمهنة التجارة الداخلية والخارجية، وعقدهم الأحلاف السياسية والعسكرية، إقليمياً ودولياً، التي أمنت لهم حياتهم في مكة ويسرت لهم سبل عيشهم، وأمنت طرق تجارتهم الداخلية والخارجية وحصلت على اعتراف سياسي إقليمي ودولي بكيانهم الإداري والتجاري. بعدها نعموا بالاستقرار الذي وفر لهم فائضا من المال، سمح لهم بالعناية بآدابهم وفنونهم وإبرازها لباقي الشعوب والأمم، لتكون مساهمتها لمحيطها الإقليمي والدولي، ليس فقط في مجال تبادل التجارة والمال، وإنما أيضاً في تبادل المنتج الوجداني الإنساني والمساهمة في مجالات الآداب والفنون الإنسانية.

ويعتبر تدشين عرب مكة ومحيطها سوق عكاظ كمنبر لإبراز عطائهم الأدبي من شعر وخطابة وحكمة، دلالة لا تخطئها عين مراقب، على ما وصلوا إليه من تقدم حضاري ونضج ثقافي. ولم تكن احتفاليتهم بسوق عكاظ، باحتفالية بدائية أو عشوائية، وإنما هي احتفالية احترافية ناضجة بكل ما تعنيه كلمة احتفالية من معان ودلالات. حيث تم تحديد مكان مناسب جغرافياً ومناخياً وجمالياً يليق بالمبدعين منهم ومن جاورهم. كما تم تحديد أيام معلومة يعقد فيها سوق عكاظ من كل سنة؛ أي أصبحت مناسبة حولية، ينتظرها الناس بكل حماس وتوق لما سوف يعرض فيها مبدعوهم من إبداعات أدبية ووجدانية، تضاف لأسفار إبداع العقل العربي، ومساهمته في إغناء التراث الوجداني الإنساني. وتشكيل لجان لإدارة مهرجان سوق عكاظ للأدب والإبداع، وقضاة ومحكمين ذوي خبرة ودراية بعلوم الأدب ونقدها، والتمييز بين غثها وسمينها، وتبيان وشرح ميزاتها وهفواتها.

نجاح قريش في جمع وتوحيد الوجدان العربي، من خلال جمع وتوحيد آداب العرب وفنونهم، وإطلاق العنان لعبقريتهم، لتحلق في حلبة إبداع سوق عكاظ، وجعلها تتحرك وتتنافس مع بعضها، وتنصهر لبناء البنية الأساسية لإبداع الفكر العربي الموحد والمتراكم، والذي سيتألق لاحقاً. وهذا الاتحاد الوجداني، أعطى دلالة واضحة على جاهزية العرب لتوحدهم السياسي القادم، كأمة فاعلة في محيطها الإقليمي ثم الدولي. وهذا ما لمسناه واقعاً، عندما تكونت الدولة العربية الإسلامية، منذ بزوغ فجرها، في دولة الرسول صلى الله عليه وسلم، ودولة الخلفاء الراشدين والدولتين الأموية والعباسية، تحت زعامة القرشيين.

والكل يعلم أن إطلاق صفة الجهل على العرب قبل الإسلام، لا تعني جهلهم بأمور الحياة وحسن إدارتها، وإنما تعني فقط جهلهم بتوحيد العبادة لله سبحانه وتعالى. والدليل على ذلك، هو عندما زال هذا الجهل، ووحدوا الله سبحانه وتعالى، أصبحوا بفضل الإسلام خير أمة أخرجت للناس، بحسن درايتهم وإدارتهم لأمور دينهم ودنياهم. وعندما حمل العرب المسلمون شعلة الحضارة العربية الإسلامية، والتي أنارت مشارق الأرض ومغاربها، كانت بدايات شرارات هذه الشعلة ما قدح منها في سوق عكاظ، من فصاحة في اللغة وحكمة في الرأي، وديناميكية في حركة الإبداع والتجديد والإضافة. وهذا ما عناه سوق عكاظ لنا قديماً.

ومع نزوح عاصمة الدولة العربية الإسلامية من الجزيرة العربية، للشام ثم للعراق، تم إهمالها وتغييبها عن الحراك الثقافي والحضاري للدولة. مما أدى إلى جمود فكري داخلها، تمثل في تدمير الفكر الخارجي، لسوق عكاظها، عام 129هـ، والذي أدى لإغلاقه. وفي منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، أبى قلب الجزيرة العربية النابض بحب وعطاء العروبة والإسلام، إلا أن يعيد لها وحدتها السياسية، وتكلل ذلك بقيام الدولة السعودية. وهكذا أخذ الكيان العربي الإسلامي الجديد، الممثل بالدولة السعودية يحاول جاهداً ومجاهداً إعادة الاعتبار الحضاري لجزيرة العرب من جديد.

وبعد قرنين ونصف من الجهاد والنضال، في سبيل عودة العزة والحضارة للجزيرة العربية، تكلل نجاح القادة والساسة السعوديين، بإحياء سوق عكاظ من جديد، وبنفس الزمان والمكان. وقد أتى تدشين فعاليات سوق عكاظ معلناً أن مشروع الدولة السعودية السياسي والاقتصادي والحضاري وصل لحقبة النضج والتمكين. فبعد أن تم لم شمل مناطق وقبائل الجزيرة العربية، تحت كيان المملكة العربية السعودية، وزرع الأمن والسلام فيها، وحصولها على الاعتراف بها ككيان سياسي، له ثقله ووزنه السياسي والاستراتيجي والاقتصادي والمعنوي، إقليمياً ودولياً، وتم الانتهاء من تأسيس بنيتها التحتية والخدمية من مدن وطرق حديثة، ورعاية صحية وتعليمية، وغيرها؛ تم افتتاح سوق عكاظ.

أي إن إحياء فعاليات سوق عكاظ للاحتفاء والاحتفال بالمنتج الوجداني، من أدب وفنون الإنسان السعودي، خاصة، والعربي بشكل عام، لهو دلالة على نضوج وتمكين التجربة السعودية في بناء الإنسان فيها، وتحديثه وجعله محورها وركيزتها التي تستند عليها. وهذا وبفخر ما يعني لنا سوق عكاظ الآن.

كان من رموز سوق عكاظ الذين افتخرت واحتفت بهم قديماً، الأمير الفارس العربي المبدع امرؤ القيس، الذي ألهب بمعلقته وقصائده وجدان كل متذوق عربي، قديماً وحديثا، وما زال إبداعه يحظى بقراءات إبداعية عربية وحتى عالمية متجددة. كما أن سوق عكاظ اليوم، يفتخر وسيظل يفتخر بالفارس العربي المبدع الأمير خالد الفيصل، وسيكتب اسمه بماء الذهب ويعلقه على وجدان كل متذوق عربي، يقدر ويثمن قيمة الإبداع العربي الذي سيحفظه لنا سوق عكاظ الجديد من جديد.

أطلقت على الأمير خالد الفيصل لقب الفارس، وقارنته بفروسية امرؤ القيس، لأن من أهم صفات الفارس هي الشجاعة في المبادرة، وليس هنالك في وقتنا الحالي، بأشجع من الأمير خالد في مبادراته الإبداعية في مجال الأدب والفن والإدارة. فهنيئاً لنا، كعكاظيات وعكاظيين، بفارسنا المبدع الشجاع وامرئ قيسنا الجديد، خالد الفيصل. وهنيئاً لنا كعكاظيات وعكاظيين، بسوق إبداعنا الوجداني، سوق عكاظنا الوليد، وبنفس الوقت، الضاربة جذوره في أعماق تاريخنا التليد.