يتوهّم الكبار بأنهم يعرفون كل شيء، وما لا يعرفونه هو أن عالمهم يزداد كل يوم وحشة وكآبة، أنا لا أبالي بما قد يشعر به هؤلاء الكبار تجاه الأشياء من حولهم، ولا أكترث بما يحملونه من أفكار، وما يثير نقمي وإزعاجي هو تدميرهم عوالم الشباب والصغار بعصا التوجيه والأستاذية.

كثيرا ما يعتمد هؤلاء على عامل السنّ انطلاقاً من حكمتهم الأثيرة "أكبر منك بيوم أعلم منك بسنة" لكي يحاصرك بسنواته الثلاثين أو الأربعين، ويسكتك فلا تستطيع أن تناقشه أو تجادله، أو حتى تطرح رأيك في حضرته، ولو حدث ذلك - لا سمح الله - بدأ بتهميشك، والاستخفاف بك، أو نقدك علناً، وفي أغلب الأحيان يقوم بالتشكيك في تربيتك لأنك تأخذ وتعطي معه، وفي ذلك تجاوز على ذاته الموقرة، "ويقولون لماذا نحن شعب فاشل في الحوار؟!" السيئ في الموضوع، أو فلنقل الأسوأ - على الأقل بالنسبة لي - هو أن يعاملك أحدهم كما لو كنت طفلاً صغيرا، يربت على كتفك ويقول لك وهو ينظر إليك تلك النظرة المشفقة التي نشاهدها في الأفلام "غداً ستكبر وتعرف كل شيء"! ظناً منه بأنك مجرد شاب صغير، تجهل الكثير، ولا تتمتع بسلامة الحسّ والإدراك، أو حُسن تقدير الأمور!

صحيح أن الإنسان يكبر، وتكبر معه التجارب التي يستخلص منها حكمته الخاصة، وأؤكد على ذاتيتها وخصوصيتها، وربما يحقّ له التباهي بها إذ كلّفته الكثير، خصوصاً إذا شيّبت شعر رأسه وأصابته بالصلع، ولكن ينبغي عليه أن يتذكر بأن إيمانه بحكمته وخلاصة تجاربه ليس فرضاً على بقية الناس، وأن في ركونه إلى ما يعرفه، وتوجّسه من خوض التجارب الجديدة، واكتشاف الأماكن المبهمة، ومهاجمته الجديد، ورفض التجديد بطريقة لا واعية.. تجعل منه في نظر الشباب المثقف والمطلّع، المتحمّس للتغيير، جامداً، متصلّباً، تملأ رأسه الأفكار العاجزة والكسيحة، التي لا تتطابق نغمتها مع نغمة الحياة الحالية.. ليصبح الرجل الحكيم مجرد "بهلوان".

الطريف في الأمر هو ما قرأته للكاتب "كولن ولسون" في أحد كتبه، وأجدني أتفق معه وبقوة، يقول "الناس لا تغدو أعقل أو أكثر حكمة حين تكبر بل ربما يصبحون أكثر غباء"، لهذا.. فلتحذروا شباب اليوم من أن تصبحوا "كبار" الغد، تعلو أدمغتكم ركامات الغبار، وتصاب فيها مفاصل فكركم بالتصلّب، احذروا من وهم المعرفة، فالعالم أشدّ اتساعاً مما نراه، والأفكار أكثر غزارة مما قد نستوعبه، اتركوا للجميع أن يخوضوا تجربتهم ويستخلصوا منها "الحكم" الخاصة.. لا تصادروا رأيًا، ولا تقمعوا صوتاً، فلقد خُلقنا لكي نعيش، نجرب، ونفكر، لا لكي نطبّق وصايا الآخرين ونعيش على خطاهم.. ثم نلزم الصمت!