أخذت جانبا من طريق توصلني إلى مقر عملي، وذات يوم رأيت منظر شاب جالس على عتبة منزل يداعب جواله وفي أذنيه سماعة ألقيت السلام لم يُجب! وقف إلى جواره شاب آخر فمضيت وعلى ناحية الطريق الأخرى رأيت امرأة تمد يدها إلى رجل مسن وقف بجوارها ومعها ابنتها، وسألت نفسي ترى هل يدرك الشاب بنعمته هذه حاجة تلك المرأة التي ترفع المسألة إلى كل مارٍّ في الطريق من أهل اليسر، وجمعت بين الأمرين في ذاكرتي واسترجعت تاريخ هذه البلاد قبل سنوات كانت الحال متوسطة لدى بعض الناس، ومع هذا لم أشاهد منظر تلك المرأة ربما لأن البحث عن المستحقين وقلة عدد السكان حينها، لكن مع تفجر النعم والخيرات على هذا الوطن وأهله بحمد لله وفضله استوقفني وضع تلك المسكينة على قارعة الطريق، هنا قلت أين مخرجات تصريح مسؤولي الزكاة والدخل، حيث تبلغ الإيرادات ما يفوق 20 مليار ريال تصرف على مستحقيها، حسب تصريحه ببرنامج الضمان الاجتماعي المتألق.
وقلت وأنا أحاول نقل صورة تلك الطريق التي يرفل شابها بالنعم، وتلك المرأة بالسؤال وتدفق الضمان الاجتماعي والدعم الخيري للمحاويج من أهالي هذا الوطن! فإذاً أين الخلل؟
وما علاقة ذلك الشاب المستمتع بأغانيه أو محادثته بذلك المشهد الآخر! وبداهة.. الإجابة تؤكد أن النعم تورث الفراغ لدى الشباب الميسورين، وبطر النعم يوصل إلى فقدانها لا قدر الله، فلماذا لا تتعادل الكفة ويعطف غنينا على فقيرنا وتنعدم الحاجة، كما حدث ذلك في عهد الخليفة الراشد عمرو بن عبدالعزيز عندما لم يجد أهل الأموال محتاجا يأخذ الصدقة ببركة الخير والعطف على الفقراء.
اليوم ومع هذه النعم والثروة الضخمة التي يملكها أصحاب رؤوس الأموال علينا وجوبا أن تكون حياتنا تجاه المعوزين والمحتاجين صادقة بالعطف والستر عليهم من ذل السؤال ووقوف مثل هذه المرأة في الطرقات وتخفف على رجال مكافحة التسول مسؤولية التجوال في البلاد.
إن تكاثر النعم في أيدي الناس أمر يلزمنا الشكر لله المنعم، ومن الشكر صرفها فيما يعود بالخير على أهل الحاجة، بوضعها في الجمعيات الخيرية والأوقاف والبحث عن بيوت الناس الذين لا يسألون الناس إلحافا.
إن مشهد هذه الطريق على جانبيها جذبني لأن أنبه بني قومي من أهل اليسر وذات اليد أن يراجعوا حساباتهم مع المحتاجين قرابة أو غيرها، وأنا لا أخفي تلك القصص للكرماء والأثرياء في هذا البلد فهي كثيرة لا تعد ولا تحصى، لكن هذا لا يمنع من التذكير بمظهر يؤلم فيه أن تجد تسولا على قارعة الطريق لامرأة تحمل طفلا خصوصا مع مشاهدتي لهذا الشاب الثري وغيره من أرباب الأموال وفقهم الله، فقط أبحث عن توزان واعتدال في أمور حياتنا المعيشية، وعلاج هذا المنظر وما شاكله ينبع علاجه من المجتمع الوفي الذي يتكاتف أبناؤه حتى لا تعد حاجة لفقير ونمسح العوز والفاقة، وتؤكد على زكاة أموالنا والدفع بالصدقات إلى مستحقيها لدفع السوء عنا جميعا، ونطفئ غضب الرب - جلا وعلا - إننا إن فعلنا ذلك تحقق فينا "المؤمن للمؤمن كالبنيان يَشدُ بعضه بعضا".. والله الموفق.