"قالت: ألا غيمة في الأفق نحجزها

ونلتقي: نحن والنجوى و(فيروز)؟

فقلت.. والحبُّ في الأحساء يومئُ

لي من أفقها الرحب: كل الغيم محجوز!"

"جاسم الصحيح"


الحقيقة الثابتة التي تتبع الوجود هي الفقد، وربما غاب عنا أن نشهد الأول إلا أن الفقد لا يغيب أبدا!

وقد توقفنا فلسفة الموت بين يدي الفقد لنسأل بكل حيرتنا: أينبغي أن ننظر له على أنه بداية للآخرة تستحث الصبر أم نهاية لجمال الحياة التي لم ولن يرتوي منها عطش الإنسان؟!

ونتجرع مرارة الفقد عندما يموت قريب لنا، أو لأرواحنا أو حتى قريب لحبيب يصدمنا الخبر كما صدم المتنبي فقد سيف الدولة لأخته:

طوى الجزيرة حتى جاءني خبر

فزعت فيه بآمالي إلى الكذب

حتى إذا لم يدع لي صدقه أملا

شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي

والمتنبي هنا وضع يده على أن صدمة الغياب تجعلنا نتمنى أن يكون الصدق كذبا ونستجدي الكذب حتى يفجعنا الصدق!

نبكي الفقد ولا نكاد نتجاوز عتباته الصلبة فيحضر الغائبون بكلماتهم وضحكاتهم ودموعهم ويعبق بهم المكان ونقف في مساحة رمادية بين الحضور والغياب عالقين لا ندري أهم غيّاب أم لا؟ لأنهم ماثلون أمامنا دون أدنى شك!

وحين يموت شاعر تصبح كلماته ذات بريق ذهبي وتنتقل من أبواب التأمل لأراضي الواقع فتسكننا وتشكلنا وتؤلمنا أكثر!

الأيام الماضية فقدت الساحة عددا من الشعراء، وأصبحنا نلتحف بدفء كلماتهم في برد الغياب كما نصطبح بلذة أحاسيسهم في قسوةِ الواقعِ المرِّ وكأن أحدهم لم يمر من هنا إلا عندما غاب!

اعتدنا أن نكرم من غاب كما قال بطل من أبطال "طاش" وهو محمد العيسى عندما التقى بجهابذة الشعراء كالمتنبي: إننا حولناهم لشوارع!

ألا نملك من التكريم أن نصنع مكتبة عامة أو حديقة جميلة أو نطبع كتبا للشاعر ونهديها لمكتبات الأحياء.

هل قلت مكتبة الحي؟! نسيت أنه لا يوجد لدينا مكتبات أحياء أصلا!

كيف نكرم شاعر إذاً؟ هل السؤال أكبر من إمكاناتنا الثقافية والإنسانية على ما يبدو؛ فسيل الكلمات الجميلة التي يحظى بها بعد موته لا يتسنى له أن يقرأها، والمشاعر التي نغدقها عليه لم يحسها في حياته.. دعونا من الشعراء لفقد أكثر إيلاما!

قبل أيام نزف الوطن دماء شابة في جديدة عرعر ولم يكن الموت هنا مجرد قضاء وقدر، بل كان الموت يدا غادرة اقتحمت حدائق الروح لتقطف شبابها وتذيب قلوبها التي تعلقت بهذا الشباب النازف وهذه الأرواح التي حلقت لبارئها ولا ذنب جنته إلا أنها صدقت ادعاء قاتلها بأنه يريد الاستسلام!

غيمة الفقد هنا سوداء ومطرها دموع ولم يعد يصدمنا أن يكون القاتل والمقتول من الوطن!

لقد أقسم شهداء الواجب وجرحاه على حماية هذا الوطن وصدق قسمهم ودفعوا له حياتهم أو كادوا، وإن واجبنا تجاه هذا القسم أن نقدرهم ونعتد بهم كما تقدر الأمم أبطالها المدافعين عنها حتى المجهول منهم يبنى له تذكار الجندي المجهول بينما نعلم نحن من أبطالنا فردا فردا وينحي لهم الملك قبل الأمير مقبلا ومحمدا بسلامة من سلم ومواسيا بفقد من فقد أو جرح. ويقدر جهدهم الصغير قبل الكبير.

هل يمكن أن نقدم لهم تكريما لائقا لا ينسى بمرور الأيام؟!

أظن ذلك ليس مستحيلا بل هو ممكن الحدوث ولا يعسر على إنسانيتنا فيمكن أن نجعل لكل بطل شيئا يرتبط باسمه مدرسة عسكرية أو مدينة أو حيا من الأحياء، أو على أقل تقدير حديقة من الحدائق التي تتوزع في أحيائنا وتحت اسمها نضع تعريفا وصورة للشهيد أو البطل الحي وما تعرض له وتاريخه ليكون قدوة لكل من يراه في الحب والولاء.

نحن وطن معطاء ولن نعجز عن مدّ يد التكريم لمن يستحقها.

لنعلق أسماء الشهداء على أيامنا الوطنية ولنرسم ملامحهم الوضاءة بها؛ نزرعهم في حدائق الأرواح أشجارا باسقة يسقيها ود الصغار ووفاء الكبار لنعزز قيم الولاء التي تواجه أعتى أعدائه من الخونة والملتفين عليه فيعتد الصغار قبل الكبار بكلمة "أنا سعودي" لا غرورا بل وفاء وحبا وجمالا لا تطاله يد خائن ولا مغرر وليبقى الوطن أكثر حبا.

رحم الله من مات ومن ودعنا وسقى ثرانا بعطر أيامه.