كان الهجوم على مقر صحيفة "شارلي إيبدو" الفرنسية إثباتا حقيقيا لما ذهبت إليه الرسومات التي عملت الصحيفة على نشرها في تصويرها لممارسات المتطرفين. والملاحظ أن المضامين التي عمل الرسامون على إظهارها ما كانت إلا صورة منعكسة عن الأفكار والسلوكيات التي قدم بها المتطرفون أنفسهم، فالمتطرف يصدم حينما يشاهد صورته الحقيقية ولا يكون رده على ذلك إلا بالعنف، وهذا ما دعا ممثلي مسلمي فرنسا في مطالباتهم لأئمة المساجد هناك إلى إدانة العنف في خطب الجمعة.
سنكتشف أن الخطاب الديني يأخذ شكل الضدية في ذاته، فهناك فريق يرفع راية الإسلام لهدف الحزبية وفرض أساليب القوة والسيطرة، ليبحث عنهم المتضررون من أحوال بلادهم ويجد فيهم الملجأ والراعي، مما يضطر الفريق الآخر إلى محاربة أشكال التطرف التي اختطف بها مروجو الإسلام السياسي هوية الدين وجعلوها شعارا لهم، أي أن المرحلة تشهد بوجود أشكال من الممارسات التي تصب في مفهوم الإصلاح الديني، حين أدركت المجتمعات مؤخرا خطورة الوضع ووجود القابلية المعدة مسبقا لتقبل أي نوع من الأفكار المتطرفة وبالتالي ممارستها، في حين كان هذا التوجه الفكري نتاجا طبيعيا للخطاب الديني الجماهيري والعاطفي الذي أسس الجهل في نفوسهم من مراحل مبكرة.
إذا أردنا الاطلاع، سنلاحظ الكثير من الآراء التي تستحسن وجود مثل هذه الجرائم وترضى عنها، ممن يرون في النيل من الأبرياء انتصارا لدينهم من أعدائهم، في حين أنهم لا يدركون في الأصل من هو العدو الحقيقي، فلا أسوأ من هذه الجماعات الظلامية عدوا للدين، وقد صورها الرسام في كاريكاتير مبسط يصفهم بقتل دين نبيهم وطمسهم على هديه وتسامحه فيما يفعلون.
الإصلاح الديني لا يقوم على الأساليب التقليدية التي بدأ بها الخطاب نفسه، فهي تعيد الفرد في المربع الأول الذي يكرس مفهوم خلاصه من الحياة الدنيا للآخرة، وهذا هو الأسلوب الجاذب التي تتبناه وتعمل عليه الجماعات الإرهابية في صناعة قوتها، لكن السبيل في خلق قوة فكرية مضادة تخاطب العقل الاجتماعي بكل الوسائل ولا سيما خطب الجمعة، وهذا قبل الوصول إلى مرحلة يتعذر فيها الإصلاح.