إنه زمن الفردانية الشديدة، انتفت الحاجة للرموز على كل الجهات والأصعدة، لم يعد هناك آباء ثقافيون للمجتمعات، أصبحت الأفكار تتحرك بشكل أفقي ومسطح بعد أن كانت تأخذ تسلسلا رأسيا، تحول الفرد إلى حالة متكاملة متحركة تؤثر وتتأثر وتتفاعل بشكل لحظي سريع وعشوائي، متجاوزة كل الفواصل والحواجز الثقافية والاجتماعية والجغرافية، انقضى ذلك الوقت الذي كان يستهلكه المفكرون لإنتاج نظرياتهم وتحليلاتهم وصياغاتهم حول كل شيء، النمط العالمي وصل الآن ذروة مشروعه الكامل في مختلف الاتجاهات، تغريدة مختصرة تجول أطراف الأرض في اللحظة ذاتها والتأثير، اكتشف الناس أنهم أكثر قدرة وتواصلا وعمقا من كثير من المثقفين، لم يعودوا بحاجة إلى أوهام المثقف وتنظيراته القاصرة المعزولة التي يمكن لمس فشلها ولا جدواها، محليا يمكن قراءة هذا في ملمح "التهافت" الكبير ومغازلة الشعبي طرحا وأفكارا وقضايا، وتبنيات بعض الذين لازالوا يحاولون الإبقاء على شيء من احترام تؤكد وتثبت هذا الموضوع يوما بعد آخر، انهارت أبراج المثقفين العاجية وتساوت حجارتها المفترضة على الأرض، شاعت حالة المساواة الفكرية والثقافية كأجمل ما يكون، ألغيت جبرا الفواصل الافتراضية بين الجميع، حالة السجال اليومي واللحظي كشفت الكل ووضعتهم على المحك، إنها مرحلة "اللارمز" الجديدة، حيث تشطب البشرية وتسقط وهما سيطر عليها مبكرا وحبس أفكارها طويلا، أصبح الرمز شيئا من الماضي، والمجد للفردي من الأفكار والبشر والممارسات، فيما الانكفاء والانحسار والتقهقر للجماعيات بكافة تفصيلاتها، صاغت التكنولوجيا مشروعها الإنساني الفكري الجديد، و"المثقفون البطريركيون" ينضمون إلى قائمة الضحايا الطويلة، أصبحوا يسقطون في اختبارات أخلاقية أولية، ينهارون مع قضايا يومية بسيطة تمس صميم ما نظروا له طويلا، تماهوا مع تناقضاتهم وتألفوا مع المتوحش والبدائي واللاحضاري واللاإنساني، وكل يوم تنكشف نماذج، صار الناس سواء في كل شيء وتحققت حرية المعرفة والتعبير بالتكنولوجيا ولا غيرها، وفي كل يوم تتحقق وسيلة وأداة تعزز ذلك وتعمق مكتسبا بشريا جديدا.