بعد جريمة شارلي إيبدو قامت فتاة مسلمة بتوزيع الورد الأبيض على المارة في شوارع باريس في محاولة منها أن تمسح ببياض ورداتها السواد الذي خلفه الإرهاب بعد عملية شارلي إيبدو عن الإسلام، وكدلالة على سماحة الإسلام وكرسالة على أن العملية الإرهابية التي وقعت لا تمثل الإسلام الذي يحث على نبذ الجريمة والإرهاب والقتل.

العمل التطوعي الذي قامت به الفتاة ونقلته بعض وسائل الإعلام بوسعه أن يوصل رسالة عظيمة وهي رسالة الإسلام الصحيحة بأننا نحن كمسلمين لا نرضى أن يسيء أحد لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولكن أيضاً لا نحرض على قتل المسيء وممارسة الإرهاب بل المبادرة لتوضيح الرسالة الصحيحة للإسلام وتعريفه برسالة النبي وسيرته وأخلاقه، وفي ديننا الإسلامي وسيرة نبينا ما بوسعه أن يجعل أشد الناس كرها وعنصرية ضد الإسلام أن يصبح من المسلمين المؤمنين.

الأشخاص الذين نفذوا العملية في شارلي إيبدو ماذا لو قاموا بإرسال كتاب أو رسالة توضح صورة الإسلام الحقيقية برفقة وردة بيضاء للصحيفة التي أساءت للإسلام، يا ترى ماذا ستكون ردة فعلهم؟ على الأقل إذا لم يخجلوا من أنفسهم سيشعرون حتما بالندم ولو بداخل أنفسهم بأنهم قد فعلوا عملاً خاطئا وربما سيسعون إلى تصحيح الخطأ عبر رسومات أخرى تعبر عن سماحة الإسلام، ولكن العمل الإرهابي الذي قام به المجرمون وقتلهم لأكثر من 12 شخصاً في صباح اجتماع التحرير في شارلي إيبدو يعزز الرسومات المسيئة للإسلام في ذهن من لا يعرفونه ولم يطلعوا عليه بدلاً من أن يدحرها ويقنع الغير بعدم صحتها، بفعلهم هذا وكأنهم يؤكدون لكل من اقتنع بأن الإسلام دين سيئ بأن الصحيفة تواجه الإرهاب في سبيل الحقيقة.

نشرت عبر حسابي في "الإنستجرام" صورة لغلاف لمجلة "نيو يوركر" الأسبوعية، التي صدر عددها الأخير بغلاف يحمل على ظاهره تنديدا بجريمة شارلي إيبدو برسمة تصور برج إيفل برأس مدبب على شكل قلم والأرض مليئة بالدماء وكأن الرسام أو الصحيفة تحاول أن تقول إن الإرهاب لا يمكن أن ينال من حرية الرأي وأن الأقلام الشامخة لا يطولها الإرهاب، تفاجأت بأن البعض علق مبرراً عملية الهجوم الإرهابي، وبأن هذا ما يجب فعله ضد أي مؤسسة تتعمد الإساءة إلى الإسلام وأحدهم اكتفى في تعليقه بالآية القرآنية من سورة الأحزاب: "إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا"، وكأنه يستند إلى هذه الآية الكريمة لتبرير العمل الإرهابي ويدعي بجهله بأن هذه الآية القرآنية تبيح قتل من يسيء إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وكشف بتعليقه أن الإرهاب قنبلة في أرواح الكثير من الشباب جاهزة للانفجار في أي لحظة ودون سابق إنذار ما لم نسع على كل الأصعدة لمحاربة ودحر الإرهاب فكريا لا أمنيا، الإرهاب لا يموت ما دام لدينا أشخاص يكفرون ويبيحون القتل بآيات قرآنية يفسرونها وفقا لفكرهم الإرهابي، لا على الفكر الإسلامي المعتدل السمح، كان التعليق المعتدل على الصورة هو لأحد الأشخاص الذي كتب باعتدال: "لا أحد يستطيع تكميم الأفواه، إن ما تم رسمه افتراء وإجحاف في حق رسول الإسلام، ونستطيع أن ننصره بنشر سيرته والتعريف بها وليس بالقتل والإرهاب".

الإرهاب الذي يتوالى وبقوة مع مطلع هذا العام في الشرق الأوسط وأوروبا وقد يصل قريبا إلى أميركا هو ما حذر منه خادم الحرمين الشريفين، والعمليات الإرهابية التي ابتدأت هذا العام بحادثة الحدود الشمالية في السعودية إلى حادثة شارلي إيبدو في فرنسا ما هي إلا نتاج إهمال العالم لظاهرة الفكر الإرهابي، وتركيزهم على محاربة الإرهابيين الذين مهما جابهناهم وقتلناهم فإن لديهم فكراً يولد كل يوم إرهابيين جددا يجوبون العالم بسرية حتى ينفجروا في لحظات غير متوقعة، وحينها نحاربهم دون أن نحارب الفكر الذي ينتمون إليه ويتكاثرون على إثره.

مملكتنا حذرت من خطر الإرهاب ودعت كل دول العالم إلى محاربة هذه الآفة، واقترحت تأسيس منظمة دولية لمكافحة الإرهاب ودعمتها بملايين الدولارات، ولكن حتى الآن لا يوجد أي تحرك دولي منظم لمعالجة هذه الإشكالية وتجفيف منابعها وإبادة أسبابها وجذورها للأبد.

بإمكان أي دولة في العالم أن تلاحق منفذي العمليات الإرهابية وتقتلهم، وتطبق عليهم القوانين، ولكن هذا ليس ما نريده من الأنظمة الأمنية، ولا ما نريده من هذا العالم، ما نريده هو أن نحارب الفكر الإرهابي الذي يخشى مفهوم التعايش ويعزز الكراهية والعنصرية ويتسيد بالرأي الواحد ويتبعون قاعدة "جورج بوش الابن" إما أن تكون في صفي أو أن تكون عدوي ويجب قتلك، بوسعنا أن نحارب الفكر الإرهابي على طريقة الفتاة المسلمة التي وزعت الورد الأبيض في شوارع باريس على المارة بعد جريمة شارلي إيبدو، التي أبدا لن ترضى أحدا أن يسيء إلى نبينا - محمد صلى الله عليه وسلم -، ولكنها أيضاً لا تؤمن بأن مواجهة ذلك تكون بالقتل، بل بنشر مفهوم الإسلام الصحيح لا بالإرهاب الذي تعي تماماً بأنه يخشى الورد.. يخشاه كثيرا.